استرعت انتباهي الرمزية الأجمل والتي تترجم ذكاء وحكمة اختيار مفهوم التعايش في معرض الرياض للكتاب 2015، وهي أن حلّت جمهورية جنوب أفريقيا ضيف شرف على المعرض، كرمز للتعدد العرقي والثقافي.
ويتم عرض العديد من الكتب والمنشورات التي تتناول تاريخها وآدابها وإصداراتها، وفوق هذا توّج فعاليات المعرض، عرض فيلم تعريفي عن جنوب أفريقيا وزينه الاحتفاء بالزعيم الراحل نيلسون مانديلا، قائد النضال الإنساني ضد نظام الفصل العنصري (الأبرتهايد).
وبالنظر إلى تجارب التعايش السلمي في دول العالم ذات التنوع الحضاري والثقافي فإنّنا نرى أنّ هذا المفهوم لا يحقّق أهدافه إلّا باحترام التنوع، واعتبار الهجوم على ثقافة أو أمة أو دين أو معتقد، جريمة يُعاقب عليها كل من يحمل أوزارها.
وإن كان نيلسون مانديلا قد فرض قيمة التسامح مع جلاديه البيض ومن حكموا عليه بالسجن والنفي وأذاقوا شعبه الأمرين، فإنّه تحمّل قسوتهم بل ضايقهم بهدوئه.
وواصل في صبره مستعذباً الآلام حتى تحولوا من تعذيبه إلى احترامه، بل ساهموا في جعله أيقونة عالمية للتسامح والنضال المسؤول بغير طريق العنف والدماء.
فقد كانت السنوات الطوال التي قضاها حبيساً في جزيرة روبن من 1964 حتى خروجه في 1990، تزوده بقناعة التآخي والإيمان بفكرة وحدة جنوب أفريقيا.
فخرج بفضل صبره وصموده على سنوات السجن والمقاومة قوي الروح ممتلئا تفاؤلا بأن يرى بلاده على نفس القدر من التسامح، فبدلا من أن تحرره بلده، قام هو بتحريرها من البغضاء لكي تحتضن الظالم والمظلوم معا.
وللمفارقة فإنّ الولايات المتحدة الأمريكية اكتشفت هذا السر الذي أوصلها إلى أن تكون القوة والقطبية الوحيدة في العالم، وذلك بأن نهضت وكفّرت عن ذنبها العنصري في عهودها السابقة.
ومنذ نضال مارتن لوثر كينج من أجل الحصول على الحقوق المدنية، توسع مبدأ التعايش هناك كأبرز مثال حيث تلتقي بداخلها كل الأديان والأعراق والثقافات في غير ما تناقض أو انفصام.
بل ساهمت في انصهار هذه المكونات المختلفة، فخلقت تنوعا نجح في أن يكون مصدرا للثراء الفكري والوئام المجتمعي لا يكدّره إلّا بعض النشاز المتطرف والمتعصّب هنا وهناك.
لم يكن اختيار مانديلا وجنوب أفريقيا في معرض الكتاب عبثا، بل جاء استشعارا لعبقريته الفذة التي دعته إلى مناداة شعبه بضرورة تطهير أرواحهم من ضغينة الانتقام، فكانت محاكم الحقيقة والمصالحة (1996-1998م) بقيادة صديقه القس ديزموند توتو الذي رعى الفكرة منذ الثمانينات.
خلت تلك الفكرة حتى من القصاص المعنوي وإنّما أرادت بث روح التآخي من خلال طي صفحات أربعة قرون من ظلم المستوطنين البيض للسود وفتح صفحة إنسانية من تآخي السود والبيض ووحدتهم في بلد متعدد الأعراق.
وقد كانت جنوب أفريقيا مؤهلة للتقسيم إلى دويلات خطط لها البيض منذ عام 1948، ولكنه استطاع أن يخلق من هذا البلد المتنوع وطنا واحدا يعيش فيه البيض والإنجليز والآفريكان والبقية من هنود وأجناس مختلطة.
تكمن وراء روح مانديلا المتسامحة شخصية صلبة فقد تحمل معاناة السجن من أجل قضيته، فلم ينهكه العذاب ولم يضعفه بل زاده قوة وملأه بروح غذاها بالتسامح والعفو عند المقدرة، فقرر عندما كان يخطو إلى خارج زنزانته نحو البوابة التي قادته إلى الحرية «أدركت أنّني لو لم أترك مرارتي ومقتي خلفي، فإنّني كنت سأظل سجينا حتى الآن».
وهذا الدرس العظيم النابع من هذه الروح لخصه المؤرخ الاجتماعي الأمريكي «ديبوا» في «رسالة الروح الزنجية إلى العالم» بأنّها «تاريخ الصراع من أجل تحقيق الشعور الذاتي لدى الفرد بآدميته الكاملة عن طريق دمج جانبي شخصيته في ذات واحدة أفضل وأكثر صدقا».
يا لعمق هذا الوصف، وكم هو مؤثّرٌ اختيار وزير الثقافة والإعلام السعودي الدكتور عادل الطريفي الذي دشّن نموذجا للتعايش ليكون معبّرا عن معرض الكتاب، وكان أساس الاحتفاء بأيقونة التسامح مانديلا، مبنيا على تجربة إنسانية فريدة بغض النظر عن عنصره أو لونه.
مانديلا في معرض الكتاب
منى عبدالفتاح3 دقائق للقراءة

حجم الخط
