أثار اليوم العالمي للمرأة، والذي صادف (8 مارس)، موجة من ردود الأفعال المتباينة على مواقع التواصل الاجتماعي فمن مؤيد لهذا اليوم والاحتفاء به للفت نظر المجتمع إلى حقوق المرأة وما تقدمه من إنجازات وما يتطلبه إعطاؤها مكانتها اللائقة التي تحقق أهداف المجتمع .. إلى آخرين معارضين بتخصيص يوم واحد للاحتفاء بالمرأة فهي نصف المجتمع وصانعة لنصفه الآخر، ولن ترضى بيوم واحد للاحتفاء بها.. وهكذا ما بين شد وجذب تتكشف مواقف المجتمع واختلافات مكوناته الفكرية والاجتماعية .
وفي الحقيقة، إن الجذور التاريخية لهذا اليوم كانت منذ عام 1909 حينما خرجت النساء في الولايات المتحدة في مظاهرات جماعية ضد ظروف العمل، التي كانت تعمل تحتها النساء من ساعات طويلة وعدم مساواتها في الأجر مع الرجل، مع توفر نفس الإمكانات والمؤهلات وغيرها... بل طالبن بحق الدخول للانتخابات وحملن (الخبز والورود) شعارا لحملتهن للحصول على الحياة الكريمة والعدالة الاجتماعية.. ولم يحصلن على تلك الحقوق إلا بعد عشرات السنين.. ولم توافق هيئة الأمم المتحدة على هذا اليوم العالمي إلا في عام 1977.
ولا شك أن المرأة في بلادنا - بحمد الله وتوفيقه - قد تبوأت مكانة مرموقة في العقدين الأخيرين، وذلك بفضل إيمان القيادة الحكيمة بأهمية دورها في البناء والتنمية وأنه لا يمكن أن ينهض هذا المجتمع إلا بسواعد أبنائه ذكورا وإناثا، وأنه لا يستطع اللحاق بركب الحضارة والتقدم العلمي والتكنولوجي وهو أعرج.. فتقلدت المرأة مناصب قيادية في مجالات مختلفة في الصحة والتعليم، وفي المجالات الاجتماعية، وفي مجلس الشورى.. بل وصلت إلى العالمية في أبحاث ودراسات ومسابقات..
ولكن وللأسف هناك مجالات ما زالت حكرا على الرجال، مع أنه سبق تاريخيا أن خاضت المرأة مجال العمل فيها بجدارة .. وهناك أيضا تجارب حديثة ناجحة في بعض المجالات .. ومنها (مهنة الطوافة)، ولكن - وللأسف - أقصت وزارة الحج المرأة عن مجالس الإدارات بعد وعود لعدة أشهر في موسم الانتخابات للعام 1436هـ .. لكسب أصوات الناخبات، ثم لم تلبث أن انسلخت من وعودها لتتبخر الآمال في ظل أوهام قرارات التعيين للرجال .. ومن هنا يتبين أن هناك من ما زال يمارس عملية الإقصاء للمرأة، وعدم إعطائها مكانتها اللازمة وحقها في العمل؛ فقد سبقت الوزارة أن قطعت عهدا على نفسها بتعيين سيدتين في كل مجلس من مجالس الإدارات - حسب المادة الثانية والأربعين من لائحة الانتخابات - .. ولم تلبث أن جاءت القرارات مخيبة لآمال الكثيرات - ولست منهن - بتعيين أربعة مطوفين ليكتمل (الطقم) المخصص للعبة.. وتبين أن إعلان تعيين سيدتين في كل وسائل الإعلام لم يكن إلا مسرحية هزلية للبهرجة الإعلامية، ولكسب أصوات الناخبات فإذا (انفض المولد) خرجت النساء بلا حمص!!
كما تبين من أسماء المعينين الذكور أنها لم تكن سوى: لعبة شطرنج تقتضي تحريك اللاعبين حسب المصالح الخاصة للبعض.. وإلا فلماذا لم تكن الأسماء جاهزة ويعلن عنها بمجرد انتهاء الانتخابات؟؟ ولكن تم الانتظار لتتضح الرؤية فيمن يكمل اللعبة بصورة مرضية لأطراف اللعبة، ويكون التعيين حسب مقاسات مفصلة للمجالس.. بتكرار أسماء ولفترات انتخابية متعددة.
بل هناك نقطة أخرى مهمة، وهي أن المرأة المطوفة لعبت دورا حيويا في الانتخابات، وخاصة زوجات المرشحين في كسب الأصوات لأزواجهن، إلا أن هناك فئة أخرى وقعت تحت وطأة الإقصاء الذكوري والمنع من المشاركة حتى في الانتخابات بدافع التسلط والغيرة - غير المبررة -...
والحقيقة المرة هي أن أساليب وأد المرأة ما زالت تمارس في وقتنا الحالي من البعض، وبأساليب عصرية، وفي جهات متعددة تروج لنفسها عبر التقاليد الاجتماعية لإقصاء المرأة وإلغاء وجودها ومكانتها، وجعلها خاضعة (لسي السيد) حتى على المستوى الوظيفي، والبقاء تحت مظلته حتى ولو كانت المظلة مهترئة ومثقوبة..
يوم المرأة العالمي.. الحقوق المهدرة!
فاتن محمد حسين3 دقائق للقراءة

حجم الخط
