تناولت الكلمة الشاملة التي وجهها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز يوم الثلاثاء الماضي جميع الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تهم المواطن السعودي، ولخصت كلمته ـ حفظه الله - رؤيته المستقبلية لاقتصاد نحو 21 مليون مواطن ومواطنة بما يضمن لهم الحياة الكريمة ومستوى الرفاه المنشود.
وفي الشق الاقتصادي، وضعت كلمة خادم الحرمين الشريفين خارطة طريق لإعادة الاقتصاد لمساره الصحيح، من خلال تأكيده حفظه الله على تحقيق التنمية الشاملة والمتوازنة في جميع مناطق المملكة دون تمييز، و»بناء اقتصاد قوي قائم على أسس متينة تتعدد فيه مصادر الدخل، وتنمو من خلاله المدخرات، وإيجاد فرص العمل في القطاعين العام والخاص، وتشجيع المؤسسات المتوسطة والصغيرة على النمو، ودعمها لتكوين قاعدة اقتصادية متينة لشريحة كبيرة من المجتمع».
كما دعا في كلمته حفظه الله، رجال الأعمال السعوديين إلى الإسهام بمبادرات واضحة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، وتحدث إليهم مباشرة، قائلا «أنتم شركاء في التنمية، والدولة تعمل على دعم فرص القطاع الخاص ليسهم في تطوير الاقتصاد الوطني، فأنتم جزء من نسيج هذا الوطن الذي قدم لكم الكثير من التسهيلات والامتيازات، وينتظر منكم الكثير، فعليكم واجب الإسهام بمبادرات واضحة في مجالات التوظيف والخدمات الاجتماعية والاقتصادية».
كل نقطة من النقاط الواردة في هذه الكلمة تحمل دلالة واضحة على عزم الدولة على تحقيق تطلعات مواطنيها، وتنويع اقتصادها، ووضعت المسؤولين والأجهزة التنفيذية أمام مسؤوليتهم لترجمة رؤية الملك إلى واقع ملموس ينعكس أثره على رفاهية المواطن.
كل هذه النقاط جديرة بالاهتمام والنقاش لأهميتها في وضع الاقتصاد السعودي في مساره الصحيح، ولمحدودية المساحة سيركز هذا المقال على ما يتعلق بتشجيع المؤسسات المتوسطة والصغيرة على النمو، ودعمها لتكوين قاعدة اقتصادية متينة لشريحة كبيرة من المجتمع، لأن هذه المؤسسات شكلت القاعدة الأساسية التي انطلقت منها معظم الدول المتقدمة في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولها دور لا يستهان به في بناء الاقتصاد الوطني، واستغلال الطاقات والإمكانيات، وتطوير الخبرات والمهارات لتصبح رافدا أساسيا للتنمية، ومحضنا للابتكار والتطوير.
كما أن الاستثمار في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لا يقتصر على مجال معين، بل يشمل جميع المجالات والقطاعات الاقتصادية سواء كانت صناعية أو تجارية أو خدمية أو تقنية، إضافة إلى انخفاض نسبة المخاطرة في هذه المشاريع مقارنة بالمشاريع أو الاستثمارات الأخرى كبيرة.
وبالتالي فإن الفرصة كبيرة أمام هذه المشاريع في تكوين قاعدة متينة للاقتصاد، ورفع مساهمتها في الناتج الإجمالي، وتعزير دورها بالتوظيف، والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، لا سيما وأن مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي لم تتجاوز 33% رغم أنها تشكل حوالي 74.
2% من إجمالي الشركات في المملكة.
وبالمقارنة مع حجم هذه المشاريع عالميا، فإن هذه المشاريع تمثل نحو 90% من إجمالي الشركات في معظم اقتصاديات العالم، وتسهم بحوالي 46% من الناتج المحلي العالمي، وتوفر نحو 60% من إجمالي فرص العمل حول العالم، ففي بريطانيا مثلا تسهم المشاريع الصغيرة والمتوسطة بنحو 85% من إجمالي الناتج المحلي، و80% في سنغافورة، وفي الولايات المتحدة الأمريكية تسهم بنحو 51%، وتشكل 40% من اقتصاد ألمانيا.
وبعد كلمة خادم الحرمين الشريفين التي نصت على دعم المؤسسات المتوسطة والصغيرة، وتفعيل دورها، ورفع حصتها لتصبح رقما مؤثرا في الناتج المحلي الإجمالي، أصبح الرهان على دور المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المستقبلي في بناء اقتصاد قوي قائم على أسس متينة تتعدد فيه مصادر الدخل رهانا ناجحا في حال كانت الأجهزة التنفيذية في موضع الحدث، واستفادت من رؤية الملك سلمان لمستقبل المؤسسات المتوسطة والصغيرة، وترجمت رؤيته لواقع ملموس، وتقديم حلول عملية لتعزيز دورها في تكوين قاعدة اقتصادية متينة لشريحة كبيرة من المجتمع، ويتطلب ذلك: أولا: سرعة إنجاز الدراسة المتعلقة في إنشاء هيئة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة تتولى رعاية هذه المؤسسات واحتضانها، والتي أقرت من مجلس الشورى قبل ما يقارب 3 سنوات، تحديدا في يونيو 2012.
ثانيا: تحسين بيئة المؤسسات الصغيرة والمتوسـطة، والتشريعات والقوانين التي تنظم عملها، وإيجاد حلول لمعوقات الوصول إلى التمويل، ومعالجة غياب البيانات الإحصائية والنوعية والكمية الأخرى اللازمة لفهم ديناميكية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
ثالثا: منح أولوية خاصة لتصدير منتجات هذه المؤسسات من قبل برنامج الصادرات التابع للصندوق السعودي للتنمية بما يضمن لها الوصول للأسواق العالمية، والنمو المستقبلي.
المنشآت الصغيرة والمتوسطة رهان المستقبل!
محمد العوفي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
