جمع منزل خديجة شربة الأرامل والمطلقات، والجواري الذين اعتقتهم، إلى جانب المعلقات اللاتي فقدن أزواجهن، والعجائز المنقطعات، ولهذا يلقبها الرحالة محمد عبدالحميد الميرداد في كتابه رحلة العمر بأم المحسنين، أم الفضل وأم المكارم.
وللعجائز من النساء في هذا البيت دور مهم، فهن الوسيطات بين من في البيت ومن هم خارجه، حيث لم يكن يسمح لنزيلات الدار بمخاطبة الرجال أو الخروج إلا لضرورة، فالعجائز هن من يذهبن لاستلام نفقات المطلقات من أزواجهن مدة العدة.
إضافة إلى توزيع أنفسهن بشكل أسبوعي على بعض الحارات والبيوت المكية التي يعرفون سكانها، ويبحثون عن رجال مناسبين للراغبات في الزواج من سكان هذه الدار من الأرامل أو المطلقات.
ويصور لنا الميرداد ملمح آخر يمكن اعتباره من أرقى الملامح في حياة شربة، أنه إذا رغب أحد الرجال في خطبة إحدى قاطنات الدار، وكان معسرا أتمت له ما ينقص منه، إضافة إلى ذلك أعدت في بيتها مخزن خاص يحتوي على كل ما تحتاجه المرأة لزواجها، حيث كان العرف في ذلك الوقت أن المرأة تساهم بشكل أساسي في فرش بيت الزوجية بجزء من مهرها، ويحتوي المخزن المذكور حسب وصف الميرداد على "الحنابل والجلايل والمرتبات والوسادات الجديدة، وآلات الشاي والأطباق على اختلاف أحجامها وأشكالها، والقدور والصناديق الخاصة بجهاز العرائس، وكل شيء فيها جديد" والغرض من ذلك المخزن الخيري أنه عندما تزف عروس من الأرامل أو المطلقات، يقدم لها جهازا وأثاثا من عندها لوجه الله، وتقدم للزوجين أحيانا عونا ماليا إذا احتاج الأمر لذلك.
جانب آخر وضاء في حياة هذا المرأة ينقله الميرداد، وهو أن إحدى القاطنات في بيتها من ثريات النساء ماتت ولم يكن لها وراث لانقراض العصبة من أهلها، وتركت الكثير من نقودها ومجوهراتها وأثاثها في بيت خديجة، فما كان منها إلا أن أبلغت بيت المال، والذي حجز على جميع متعلقاتها وأموالها وكانت كثيرة لا يستهان بها، ولو أرادت أن تختص أو تستأثر به لأمكنها ذلك، إلا أن النفوس الراقية تأبى ذلك، فرحمها الله تعالى.
ويبدو أن خديجة لم تكن من اللذين يدخرون أموالهم، فما يأتيها تنفقه خلال عامها، لذلك وكما يروي صاحب المذكرات الميرداد أنه وفي السنة التي انقطع فيها ورود الحجاج بسبب الحرب العالمية الأولى، وانقطاع مورادها بسبب ذلك اضطرت لأن ترهن حجة بيتها عند أحد أثرياء مكة، ولم تلجأ لساكنات دارها برغم أن فيهم من هي أكثر ثراء منها، إلا أنها نفوس جبلت على الأنفة وحب الخير.
وبرغم الوصف الذي وصفها به الميرداد، وما ذكره من حالها ووضعها وسخاءها ومساعدتها للناس خصوصا النساء والأطفال، نجده يقول مستدركا بعد أن أورد بعض ما يعرفه عنها "إني لم أقدرها حق قدرها، ولم أصفها بوصف تستحقه حق الاستحقاق، لأني كنت قاصر الإدراك آنذاك وعمري ما بين السابعة والعاشرة، وهي قد ناهز عمرها السبعين، وقد كانت في ريعان شبابها أكثر نشاطا وحماسة من الوقت الذي أدركتها فيه على ما سمعت من بعض النساء الفضيلات، فهي قد وقفت حياتها لخدمة هذه الوظيفة الاجتماعية الكريمة" رحم الله السيدة خديجة شربة، ونور قبرها ومضجعها، جزاء ما قدمت من بر وإحسان.