أدى التقدم التكنولوجي في أدوات ووسائل الاتصال في العقود الأخيرة من القرن العشرين، وأوائل القرن الحادي والعشرين، إلى تحولات كبيرة في الممارسة الإعلامية بفعل تعدد هذه الوسائل وتنوعها وسهولة استخدامها وانتشار المعلومة عبرها بصورة سريعة.
فمع دخول تقنية المعلومات إلى المجال الإعلامي أصبحت واحدة من أهم أدوات التواصل من خلال المواقع الالكترونية، وبرامج المحادثة الفورية بما تتيحه من أنماط الاتصال المرئي والمسموع والمقروء، وربما اجتماع تلك الوسائل في أداء رسالة معينة، ولا شك أن هذه التقنية المختصرة للمسافات كنتيجة لثقافة العولمة كان لها دورها الإيجابي في النواحي الاقتصادية بصفة خاصة، لكنها أفرزت نوعا جديدا من التواصل بين أفراد وشرائح المجتمع طغت فيه كثير من الظواهر السلبية التي كان لها أثرها الواضح في انتشار الشائعة وتمرير الكثير من المعلومات المغلوطة ومحاولة التأثير على القيم الاجتماعية والتربوية وسط سيل من البرمجيات المجانية المتخطية حواجز الخصوصية والحدود الجغرافية.
ورغم قصر الفترة الزمنية لظهور هذه التقنية بأشكالها المتعددة والمتجددة إلا أنها باتت سمة بارزة من سمات العصر، ولغة من لغاته عبر عالم افتراضي يتجاوز مداه مليارا وستمائة مليون موقع حول العالم، وتتصدره مواقع التواصل الاجتماعي التي استطاعت اختراق الكثير من الحواجز، لتكرس واقعا قضى على مظاهر التواصل التقليدية، يحل فيه اللقاء الافتراضي على شاشات الحاسوب وأجهزة الاتصال، محل اللقاءات الأسرية والاجتماعية، فالقرب الافتراضي مؤداه البعد الواقعي، ليكوّن بعدا حقيقيا وفراغا اجتماعيا لا تعبر عنه رسالة نصية أو مقطع مرئي.
ولهذا حضرت هذه القضية - رغم قصر التجربة بقياسها الزمني والتاريخي - في العديد من الدراسات والبحوث وعقدت لها المؤتمرات المتخصصة للنظر في تأثير هذه الوسائل على مختلف الصعد الدينية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية وكيفية توظيفها التوظيف الأمثل كمعطى حضاري يخضع للتقييم.
وفي مؤتمر (وسائل التواصل الاجتماعي ..التطبيقات والإشكالات المنهجية) الذي نظمته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض يوم الاثنين الماضي طُرحت العديد من البحوث وأوراق العمل وخلص المشاركون إلى وجود إشكالات وتحديات منهجية تواجه دراسات الإعلام الجديد ترتبط بدرجة كبيرة بالمفاهيم المنهجية وأدوات البحث العلمي، وذلك لطبيعة التجربة كظاهرة جديدة تختلف عما سبقها في المفهوم والمنهج، وخلصت الدراسات إلى تخطي وسائل التواصل الاجتماعي لدورها المفترض كوسيلة تواصل بين الأفراد والجماعات إلى أدوار اتصالية فاعلة في السياقات المؤسسية في مختلف المجالات الإعلامية والثقافية والاقتصادية والسياسية.
ولمواجهة هذه التأثيرات يتوجب العمل على تكوين شخصية ذات نسق ثقافي متماسك عبر خطة تنفيذية في مجال التربية الإعلامية، وهذا يعيدني إلى مطالبة سابقة بضرورة استحداث مادة للتربية الإعلامية في مدارس التعليم العام تعضد الإعلام التربوي في المؤسسات التعليمية، وتعمل على التعامل مع المعلومة وتحليلها وفهم المقصود من الرسالة، سواء أكان المضمون كتابيا أو عبر الصورة التي تتصدر المشهد الإعلامي بامتياز، وما لم تكن الرقابة ذاتية عبر التربية وتعويد النشء بصفة خاصة على كيفية التعامل مع هذا الكم الهائل من الأخبار عبر قراءة سليمة تنطلق من الفهم الواضح لهدف الرسالة عبر محاورها الثلاثة المتمثلة في المرسل والمحتوى والوسيط التفاعلي الذي يتيحه الإعلام الجديد ويتفوق به على الإعلام التقليدي، ليأتي المحور الرابع المستقبل للرسالة وقد كوّن خلفية ثقافية ومعرفية للتعامل مع المحتوى بالشكل السليم.
لقد أثرت وسائل الاتصال الحديثة بما يروج عبرها من الشائعات الهادفة لخلخلة المجتمعات والتأثير على استقرارها باستغلالها من قبل المتربصين لاختطاف الشباب والتأثير عليهم وخاصة عصابات الشر وتجار الدم الذين يحاولون استغلال أية فرصة لترويج أفكارهم الهدامة، ما يستوجب العمل على تحصين النشء عبر عدد من القنوات تتضافر عليها جهود الأسرة والتعليم والإعلام وكافة مؤسسات المجتمع الحكومية وكذلك مؤسسات المجتمع المدني، ولتكن عبر خطط وبرامج مواكبة تراعي السرعة التي يتصف بها الإعلام الجديد، وعصرية الطرح والمضمون تستطيع أن تجاري المنتج المتجدد في الوسيط الالكتروني الذي تتحرك فيه ملايين المعلومات والأخبار والصور تتدافع في مضمونها وقد تلتقي لكن التقاءها قد لا يخرج عن النقل والإرسال دون التمحيص والتثبت.
وفي اعتقادي أن تعدد المؤتمرات والدراسات ستظل تواجه العديد من التحديات لسرعة وتجدد وسائط التقنية بشكل مذهل، ما لم تكن الأبحاث منطلقة من نفس الأرضية التقنية المنتجة، وما لم يكن المتعامل مدركا لطبيعة ما يدور عبر هذه الوسائط بقراءة فاحصة يكوّن من خلالها موقفا يعكس ثقافته وقيمه الدينية والاجتماعية.
وسائل الاتصال.. تخطي العلاقات الاجتماعية إلى السياقات المؤسسية
عبدالله بن خميس العمري4 دقائق للقراءة

حجم الخط
