عرف الرحالة محمد عبدالحميد ميرداد خديجة شربة من خلال مجاورتها لهم في السكن، فمنزل أسرته ومنزلها كانا يقعان بالقرب من باب الدريبة أحد أبواب الحرم المكي، وتوطدت هذه العلاقة عندما تمدد الخراب في منزل أسرته، واحتاج إلى الترميم السريع، فاضطرت أسرته أن تنتقل إلى بيت خديجة، والتي أرسلت بمجرد علمها خدمها وكبير مواليها ليحضر ما يحتاجونه إلى منزلها.
ويصف الميرداد استقبالها له ولأفراد أسرته في كتابه «رحلة العمر» بقوله «وجدناها في انتظارنا على أحر من الجمر، وما أن وقع بصرها علينا حتى رحبت وأقسمت أن سنكون ضيوفها إلى أن تنتهي العمارة...» إلى أن يقول «ثم نادت عمي - وهو كبير الأسرة - وقالت له: لك مجلس كبير مغلق في الدور الأول مفروش، لضيوفك وكأنك في بيتك، وليس بجانبك ما يزعجك من نساء أو أطفال، ثم قالت: ومن جهة مصاريف العمارة – أي الترميم – فلا تفكر فيها خذ ما بدا لك من الجنيه إلى المئة، وإذا أجرتم في موسم الحج ردوا علي ما أخذتم، وإذا لم تؤجروا فنظرة إلى ميسرة».
ونلحظ هنا قدرة هذه المرأة ومهارتها في التخفيف من هموم جيرانها، فقد استقبلتهم بحرارة وشوق، وذلك مما يزيل الحرج عن الضيف، كما خصصت مكانا منعزلا لكبير الأسرة الشيخ جمال ميرداد والذي كان من علماء المسجد الحرام وأئمته، وله عددا من الطلاب الذين يدرسون عنده، وكل ذلك لم يفت عليها فبادرته بما يحتاجه.
جانب آخر ينقله لنا الميرداد عن هذه المرأة، والذي يدل على الكرم الشديد ومقدار الأناقة التي كانت تتمتع بها المرأة المكية في بيتها وفي كرمها، ودقتها في الاهتمام بالتفاصيل، حيث يقول «أصبح كل مجلس من المجالس التي أعدتها لنا، يساوي مجلس عروس لليلتها الأولى من عرسها، حتى الفرش التي فرشت لنا، والناموسيات «الكلل» رش عليها ماء الورد والزهر، والجواري يتفانين في الخدمة والسيدة الفضلى تنفق وتطلب أن نتمنى عليها، وتقسم أيمانا أن لا ندفع درهما وحدا لشراء أي شيء، وأن لا يدخل العمات – نساء أسرته – المطابخ وألا يكنسن ولا يغسلن ملابس، والعم محظور عليه أن يصرف قرشا واحدا حتى تنتهي العمارة ونتحول إلى دارنا».
ونلحظ هنا أن رش ماء الورد كان أحد علامات الترحيب بالضيف، إضافة إلى رش فراش النوم به، فمن المعروف أن القطن الطبيعي خاصة إذا كان الجو رطبا، وكان الفرش جديدا، يصدر رائحة مزعجة بعض الشيء، فكان يتغلب على رائحته بماء الورد أو الزهر أو الكادي.
ويصف الميرداد مشاهداته في البيت وتنظيمه، فمن خلال سرده أنه يتكون من مجموعات أساسها أن تكون النزيلة منقطعة أي لا أسرة لها، كأن تكون وحيدة أبويها، أو مطلقة أو لا عائل لها، وما شابه ذلك، كما نلحظ أن هؤلاء المنقطعات ليسوا جميعا من الفقيرات أو صاحبات الحاجة، بل منهن من هي جيدة الحال، إلا أنها ترغب في العيش في ظل هذا المرأة، وهذا يقودنا إلى القول إن التنظيم الذي قامت به خديجة لم يكن الغرض منه سد الحاجة والإيواء فقط، بل تنظيم اجتماعي الهدف منه عدم بقاء هؤلاء النسوة وحدهن في بيوتهن يعانين الخوف والوحدة، جانب آخر مهم أشار إليه الميرداد، وهو عاداتها والتي منها جمع النساء في بعض الليالي، والغناء لهن، ويقول «كانت عيشة حبة – وهذا اسمها – من الأثرياء العظماء، لدرجة أنها تقرض بعض التجار، وكانت مثقفة تحفظ كتاب ألف ليلة وليلة غيبا وكليلة ودمنة، والسيرة العنترية، كما أنها تغني الفرعي من الأنغام الحجازية القديمة، ولها مواهب أخرى في التمثيل والتقليد، وكانت إذا بدأت القصة نفر إليها سكان البيت الكبير والتفوا حولها وتركوا ما بأيديهم وأنصتوا إليها في هدوء تام، وهي تقص عليهم من الساعة العاشرة إلى الواحدة ليلا».
شربة تجسد ثقافة المرأة المكية (2-3)
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
