تثبت مذكرات رحالة تركستانيين من بلاد ما وراء النهر خرجت أخيرا عن تحول المدينة المنورة إلى منفى لمعارضي سياسة الدولة العثمانية في نهاية الربع الأخير من القرن الـ13 الهجري، حيث تشير المذكرات إلى أن الظروف والأحداث السياسية وعدم توفر وسائل الاتصال جعلت المدينة معزولة عن بقية أقطار العالم الإسلامي، وأضحت بذلك منفى للمعارضين.
عبدالرشيد إبراهيم
وتشير رحلة الأديب عبدالرشيد إبراهيم «1296-1302هـ» التي قلّب أوراقها الباحث منصور بخاري وجمعها تحت عنوان «حياتي» إلى عدد من الشخصيات المعارضة التي نفت للمدينة حينها، بينهم غازي محمد باشا الداغستاني، أحد المجاهدين والمعارضين للدولة العثمانية في تلك الحقبة التاريخية، حيث زعم أنه اشترك في حركة الشركس في القصر السلطاني سنة 1882وخصص له راتب مئتي ليرة شهريا، وقد أرسل كذلك عدد من المنفيين من مصر إلى المدينة المنورة، وجاء إليها بعض المبعدين كذلك من أغوات القصور السلطانية.
وثيقة تاريخية
تعد رحلة الشيخ عبدالرشيد الأولى إلى الحجاز ـ بحسب بخاري ـ وثيقة تاريخية وأدبية في العقد الأخير من القرن الـ13 الهجري، وهي تتناول الأوضاع الفكرية والثقافية والعلمية السائدة في سيبيريا وشمال كازاخستان، وكذلك مكة المكرمة والمدينة المنورة خاصة، كما تشير إلى أحوال الحجاج وكيفية قضاء مناسكهم في المشاعر المقدسة.
وتختلف رحلة رشيد عن كثير من الرحلات، لأنه أقام بالمدينة عدة سنوات طلبا للعلم، فكتب الكثير من عادات وتقاليد أهل المدينة وأحوالهم وأعيانهم ومشايخهم، وكان جريئا بسرد الكثير من العادات الإيجابية والسلبية في المجتمع المدني، وذلك من خلال احتكاكه بهم وقربه منهم.
تنوع مذهبي
وتشير الرحلة للتنوع المذهبي الذي كان سائدا في المدينة المنورة مبكرا كما بدا من خلال لقاء الرحالة رشيد بواحد من أئمة المذهب المالكي، وهو المؤرخ الشيخ علي موسى الذي كان موضع احترام أهالي المدينة، واشتهر في علم القراءات، وكان يؤم المصلين في صلاة الفجر في المحراب العثماني مرتين سنويا.
انعدام وسائل الاتصال
لم تتوفر ـ بحسب تلك المذكرات ـ وسائل اتصال ولا خدمات بريدية أو برقية في المدينة، وتشعر ـ كما يروي عبدالرشيد ـ أنك «تعيش في عالم آخر» حتى الإرسال مع مكة باستثناء حقيبة ترسل باسم شيخ الحرم مرة كل شهرين.
كما تفصح الرحلة عن طبيعة المكونات التي هاجرت للمدينة من المسلمين من بلاد قازان من التتار وغيرهم خلال تلك الفترة ممن قصدوها للعلم ومن قادتهم الأقدار إليها.
وتشير إلى ولع أهل المدينة بالإنشاد والأصوات الجميلة، وكان يوجد فيها كثيرون اشتهروا بجمال الصوت.
ويقول عبدالرشيد إبراهيم إنه لم يجد بينهم أي تصرف أهوج أو حركة مشينة، وكانوا مثالا للسلوك الحسن والأخلاق الفاضلة.
الركب المديني
وتصف الرحلة حالة الركب المديني حين يستعد الناس للرحيل إلى مكة المكرمة، يواكب ذلك إنشاد بالصلوات ومدائح الرسول صلى الله عليه وسلم وأبيات شعرية بصوت جميل.
عبدالرشيد خدم العلم
وأكد الباحث في تاريخ المدينة المنورة عبدالله كابر أن عبدالرشيد رضى يعد أنموذجا في مدرسة علماء ما وراء النهر، وهي مدرسة علمية عريقة خرج منها في العهود الأولى علماء وأعلام ساهموا في نهضة الحركة العلمية، وإثراء الفكر الإسلامي بالعلم والمعرفة، ومن أشهرهم الإمام محمد بن إسماعيل البخاري مصنف الجامع الصحيح.
ومن الكتب التي أصدرها عبدالرشيد «العالم الإسلامي» الذي وصفه المفكر الإسلامي عبدالوهاب عزام بأنه فاق ابن بطوطة، حيث اشترك معه في التطوف والترحال حول العالم، وفاقه برصده للحركة العلمية في جميع مدن العالم التي زارها، بوصف الحياة العلمية وصفا دقيقا، عرض فيه تفاصيل مهمة وأثرها وقد زار عبدالرشيد مدنا وعواصم حول العالم، منها ليبيا وتركيا وسيبريا وإندونيسيا واليمن والهند وغيرها من أرجاء المعمورة.
ويضيف كابر «عبدالرشيد وأقرانه من علماء بلاد ما وراء النهر، بحاجة لخدمة نتاجهم العلمي وبيان أثرهم خاصة للحج والعمرة، وإسهاماتهم في نهضة الحركة العلمية في المدينة ومكة بمشاركتهم في التدريس في الحرمين، وإصدار العديد من المؤلفات العلمية، وقد تتلمذ على أيديهم علماء كبار كان لهم أثر في النهضة العلمية عبر العهود الثلاثة الأخيرة العثماني والهاشمي والسعودي».
صورة مغايرة
وقال الباحث عزالدين المسكي معلقا على أهمية هذه الرحلة إنه رغم الإيجاز الذي سلكه الشيخ عبدالرشيد إبراهيم في رحلته إﻻ أنها احتوت معلومات جمة نستطيع رؤيتها من بين السطور واستنتاجها من وراء الكلمات.
وأضاف أن الرحالة قدم صورة مغايرة عما يشاع أن ذلك العصر انتشر فيه الجهل وانحسر العلم، فالمدينة ـ كما وصف الشيخ ـ كانت محطا لطلب العلم ومقصدا لطلابه من أصقاع الأرض لوجود المشايخ وانتشار المدارس والمكتبات والتكايا.
ومن خلال المحاورات التي تمت بين صاحب الرحلة وبين مشايخه كشيخ المالكية علي بن موسى والشيخ أحمد أفندي نستطيع الوقوف على بعض السلبيات التي كانت تسود المجتمع المدني خاصة، والعالمين العربي والإسلامي عامة.
فمثل الإمامة والخطابة في الحرم المدني أحيانا لم تكن اﻷهلية العلمية مرجعهما، بل كان التوارث الوقفي والتباين الفقهي هو الأصل، فهناك من يؤم المصلين وهو ﻻ يفقه أحكام الصلاة، وهناك خطيب مفوه بليغ ﻻ يأتيه الدور في الخطابة إﻻ مرة أو مرتين في العام، وذلك ﻻ ينفي عن علماء المدينة المنورة سعة الأفق.
ويرى المسكي أن تحول المدينة لمنفى كان بسبب عزلتها وانفصالها عن الأحداث في العالم خلال تلك الفترة السياسية، وﻻ سيما أنه قد انعدم وجود البريد الذي ينقل الأخبار إلا من يرد عليهم من الزوار أو من رسائل تصلهم عن طريق شيخ الحرم.

