مرة أخرى أجدني مضطرا للحديث عن المخطط الإيراني في المنطقة، خصوصا مع تحوله إلى حركة حقيقية ماثلة على الأرض في اليمن، ودخول إيران العلني المكشوف في العراق مؤخرا على هيئة تشكيلات عسكرية، بدعوى محاربة داعش والمشاركة في الجهود الدولية بهذا الخصوص، وما سبق ذلك من حضورها عسكريا في سوريا، وتهديداتها المباشرة في البحرين، وكذلك في لبنان عبر وكيلها المحلي هناك.
كل ذلك يكشف بجلاء أن مخطط النفوذ الإيراني، والطموح المجنون بالتحول إلى إمبراطورية شيعية - وإن شئت الدقة فقل فارسية - قد بدأ تنفيذه فعلا، بل وحقق عددا من النجاحات وهو ما صرح به مستشار المرشد الأعلى قبل أيام من كون إيران قد تحولت إلى إمبراطورية، وأن بغداد ستكون قاعدتها، يجري هذا في الوقت الذي لا تشكل القوى المقابلة لإيران اليوم ثقلا موازيا لها إذا ما أخذت منفردة وهو الواقع القائم الآن، وما يلمس اليوم من حركة مقابلة جاء متأخرا كثيرا مما سيرفع قيمة فاتورة التكاليف في حال تطورت الأمور.
وإذا ربطنا بين هذه الحال والمواقف المتناقضة والغامضة للدول الغربية الكبرى، ومشروعاتها المفضوحة بخلق قدر كبير من الفوضى في المنطقة لصالح دوام الارتهان السياسي والعسكري، ولتعزيز هيمنة العدو الصهيوني، وهو ما يكشفه بجلاء السكوت وغض الطرف عن دور إيران في سوريا واليمن والعراق بل وحتى تحرشاتها المستمرة بالبحرين، إذا ربطنا ذلك ببعضه سيظهر حجم الخطر الذي نتعرض له في حاضر أمرنا ومستقبله.
إن إيران كما نعلم جميعا ليست كيانا متماسكا من كل وجه، بل لديها من المشكلات الداخلية المعقدة وخصوصا في الجانب الاقتصادي ما يثقلها ويستهلك قوتها مع الزمن، ولكنها الآن ماضية في سياسة الهروب إلى الأمام وتغطية واقعها الداخلي المتصدع بزخم وتحديات دورها وممارساتها الخارجية، وهذا السلوك السياسي في غاية الخطورة لأنه لا يستند في الغالب إلى منطق أو حسابات معتبرة، بقدر استناده إلى حالة طغيان الفكرة وفقدان القدرة على مقاومتها بسبب تحولها إلى فكرة جماعية سار الجميع تحت سلطانها، وما عادوا قادرين على التوقف إلا بصدمة هائلة مزلزلة.
والمقصود أنه لا مكان الآن لخيار آخر غير المواجهة المحسوبة القوية لهذا التمدد، مع العمل على إيقاظ وتفعيل السخط الداخلي في إيران تجاه ملالي الثورة الذين يقودون بلادهم إلى المجهول.
إن الحالة في إيران اليوم تشبه حالة ألمانيا حين ساقها هتلر إلى الدمار والانهيار، وإذا كانت ألمانيا لم تقف يومها إلا حين اجتمعت في حربها دول كبيرة كثيرة، فإن إيران وبحسابات المنطقة لا يمكن أن تردع إلا باجتماع القوى السنية الإقليمية في مواجهتها، فهل سيحدث هذا في الوقت المناسب أم سيأتي في الوقت الضائع.