خال يقاوم غدر الجلطة بذاكرته
مكة - جدة
في الجناح الرابع غرفة 8 قسم التشريفات لن تستغرب حين ترى الأجهزة تلف جسده النحيل بينما هو يلتفت إليك بعينين متعبتين طالبا الورقة والقلم، أو حين يطلب منك أن تقرأ له جزءا بسيطا من الكتب الموجودة على حافة السرير، لن تستغرب حين يسألك عن حالك وأهلك رغم صعوبة نطقه وضعف صوته الذي يخرج متجاورا مع أنبوب الغذاء.
لن تستغرب لأنك في حضرة المبدع الروائي عبده خال الذي قال في روايته نباح «ليس من حرج أن تتعرى اللغة كما يتعرى الجسد»، فأنت في زيارته تعيش التعري لغة وجسدا، فلا مكان إلا للغة عارية من الزيف الثقافي ومن جسد عار من كل شيء إلا من أجهزة قاتله، وتبقى مساحة بينهما لكثير من الألم وكثير من الأمل.
مرض المبدعين
حين تزوره لن تراه مستلقيا على الفراش الأبيض والمخدات تسند ظهره كأي مريض أصيب بجلطة دماغية، مستسلما لمسكنات الأطباء، بل ستجده على السرير في وضع المتحفز جاذبا رجليه نحو صدره، مقاتلا شرسا أثناء حديثه المتقطع، مقبلا على الكلام والحياة، كثير الحركة والإشارة.
تشعر وأنت تتأمل جلسته البريئة رغبته في قفز حواجز الألم والموت، رغبته في أن يقتل العجز، وكأنه يقول بحركاته واعتراضاته «عبده خال لا يليق به العجز».
يحاول كثيرا أن ينزع أنبوب الغذاء من أنفه متبرما منه ومنزعجا من الأنابيب التي تطوق ذراعه.
تمسك يده الممرضة في آخر لحظة بعد أن تعالت أصواتنا وهو ينزع أنبوب الغذاء فيقول بصوت متقطع «خلاص زهقت شيليها».
تنظر لنا الممرضة باستغراب وتعود له «لا يا بابا هذا ضروري أنت معاك سكر لازم غذاء مستمر» ترتب مسار الأنبوب وتتأكد من صحة مكانه، تنظر لنا: هذه طبيعته منذ أن خرج من العناية لا يطيق التقييد، يرفض كل الأنابيب والمحاليل يعترض على كل شيء، هذا ما في خوف من شيء، سمعها وهي تتحدث معي قال ببطء شديد: لا تخافوا علي، لسا باقي في الحياة حياة.
خيانة الذاكرة
كانت المشيئة أسبق من كل شيء، اختارت أخص مكان لعبده، بل اختارت عبده خال حين تمركزت الجلطة في الدماغ في الجانب الأيسر منه.
ذاكرته الغارقة في الموت لم تمت ولكنها بقيت على قيد الأمل فتراه مقاوما خذلان ذاكرته بشجاعة الأطفال حين يضعون كفوفهم على وجههم من أجل لحظة استرجاع خانته فيها الحياة.
يحدثك ببطء وحين تستعصي عليه الكلمات يضغط على أنفه محاولا استعادة لحظة سقطت من ذاكرته المريضة، وحين تتمنع اللغة عليه يضع كفيه على وجهه، فإذا أتت ونطق بها نظر إليك مبتهجا بانتصاره على غدر الذاكرة التي طالما أخلص لها، وإذا استعصت عليه ضرب بيده على رأسه بعصبية شديدة ترعبك، فهو لا يطيق أن تخونه اللغة كما خانه الجسد النحيل مرارا.
خانته الذاكرة ولم تخنه أصابعه يمسك بالقلم ويشخبط ولكن الجلطة كانت غادرة، حيث عجز في لحظة أن يكمل عبارة حاول أن يكتبها على ورقة بيضاء، ومع هذا كثيرا ما يطلب القلم ويرسم الكلمات في هياكل ورموز قريبة من تمرده الإبداعي وبعيدة عن الخيانة.
نكهة الحياة
في غرفة عبده خال ورغم برودتها الشديدة ورائحة المطهرات والمعقمات التي علقت في كل زاوية ورغم الهدوء الذي غالبا ما يعم المكان إلا لحظة قدوم زائر ستعيش حياة بنكهة غريبة مؤلمة، لكنها مخالفة لواقع غرف المستشفيات فهي تعج بالحياة فعبده خال لن يتركك تجلس دون أن يشير بسرعة لأخته أسمهان أو مريم ليقوما بواجب ضيافتك.
ستلمس الحياة في يديه اللتين تتحركان حركة سريعة يرفع الجوال ويتأمله ويطلب منك أن ترد على اتصالات المحبين لطمأنتهم.
الحياة في قلبه فلا تراه إلا مبتسما يلتفت لأسمهان ومريم ويتكلم ببطء: أحبكم، حين خرجت أسمهان لتصلي خارج الغرفة طلب منها أن تصلي بجواره فتبسمت له فالمكان ضيق لذا اعتذرت منه فيضحك هذه المرة بصوت عال وقال لها: لا تقولي هنا جنبي ما في قبلة.
وشل وهاني
سترى شابا أسمر نحيلا يدور في الغرفة ويتحرك بخفة يمسك برأس عبده ويقبله ويقول: بابا أنا أحبك وراح ترجع لنا طيب.
يشير له خال بيده في إشارة ترجمها لنا وشل بأن يتوعده حين يعود لصحته بأن ينتقم منه حبا ولن يغفر له أن يغيب عنه.
وشل ابن عبده خال الأكبر يتحمل مسؤولية العناية به في المستشفى حريص جدا على راحة والده يرفض أن يصور عبده أي شخص يرفض أن يطول بقاؤك في الزيارة ومع هذا الحرص يشتكي من مزاجية عبده يقول: التعامل مع والدي صعب مزاجه كمبدع غريب ومتعب فهو يرفض أنبوب الغذاء ويرفض الاستكانة وأعتقد أن إقناعه بترك الدخان معجزة.
أما هاني الجهني أخو زوجته حنان الجهني فكان يحترق داخل أروقة المستشفى ويحرص جدا على راحة عبده إذ يقول: عبده كتبت له حياة جديدة لم أكن أتوقع أن يعيش ذبحنا له ذبيحة وتصدقنا بموية عشانه، ولا أوصيكم أنتم كمان.
حارة الهنداوية
خلال ساعات الزيارة البسيطة لن تستطيع أن تحصي الزائرين لغرفة 8 وليس من بينهم غالبا مثقفون، إنهم أهل حارته الهنداوية وأقاربه وأبناء عمومته، كان الجميع يأتي متألما ويخرج سعيدا فعبده عصي على أن يقع في دوائر الألم إلا بلغته أما روحه فتجدها مستبشرة بالحياة.
سليمان أحد أبناء الهنداوية وصديق طفولة قال له سنذهب أنا وأنت حين تخرج للعمرة وسنطوف تبسم له عبده خال ونظر لنا وهز رأسه وهو ما زال مبتسما.
الجميع من أبناء الهنداوية قالوا نحن لا نعرف عبده اللي أنتم تعرفوه في قراطيسكم عبده هو ولد حارتنا نعرف بعض في حكاياتنا ومغامراتنا وسواليفنا.
الساعة التاسعة انتهى موعد الزيارة غادرنا وتركنا خيانة ذاكرة ووفاء قلب.
أسمهان تروي القصة
تسرد شقيقة عبده «أسمهان» قصة مرضه فتقول: عاد من الرياض الأربعاء مساء، كان متعبا جدا حتى إنه قال لي وهو في المطار إنه كان سيحول رحلته للجنوب بدلا من رحلته إلى جدة من شدة الإعياء.
وصل للبيت تناول العشاء مع ابنه وشل طلب منه أن يذهب به للمستشفى، إلا أنه قرر أن يسترخي قليلا ربما يخف الصداع الذي لازمه من أمس، استرخى على الكنب ودخل في غيبوبة طويلة، فاق فجأة وما زال يشعر بتعب شديد اتصل بهاتفي فقال فقط: أسمهان أنا تعبان.
كان صوته أقرب للشخص الذي يتنازعه الموت، عرفت أنه أصيب بجلطة من ثقل لسانه، ليس هذا عبده الذي أعرفه أبدا، اتصلت بأختي مريم وولدها ذهبوا له وجدوه مستلقيا على الكنبة فاقدا للوعي تماما وصلوا به للحرس الوطني عند الساعة الثالثة ظهرا تقريبا دخلوا به إلى العناية المركزة، كان ميتا لا يتحرك، تكمل مريم الحديث جئناه كنت أقلبه وهو صامت لا يتكلم توقعت أنه مات، ولكن رحمة ربي كبيرة، وعبده إنسان طيب لم يؤذ أحدا في حياته كان محبوبا من الجيران والأهل.

