في وقت حافظت فيه النسخة الأخيرة من معرض الرياض الدولي للكتاب على كثير من تقاليدها العريقة كالحديث عن سقف الحرية، وظهور المحتسبين وبقائهم في مقر الضيوف حتى ساعات متأخرة من الليل، والكلام عن احتكار البرنامج الثقافي، وارتفاع الأسعار، فإن ثمة تقاليد أخرى لم تحدث هذه المرة، وبشكل غير مسبوق.
مثلا، أن تتجول في اليوم الأخير لمعرض الرياض الدولي للكتاب دون أن تخشى الاصطدام بأحد، فهذا يعني أن شيئا ما قد اختلف عن جميع النسخ الماضية، ففي هذا العام تحديدا كان على بعض الناشرين أن يعودوا محملين بكميات لا بأس بها من الكتب التي كانت تنفد عادة في الأيام الثلاثة الأولى، وفيه أيضا كان الناشرون يجدون وقتا كافيا للراحة ولترك أماكنهم لأجل تناول الوجبات دون أن يخشوا من خسارة زبون محتمل، بينما كنت تأتي لحظات بعينها على دار مثل «مدارك» تستطيع فيها أن تحصي عدد باعة أكثر من عدد المشترين، وأن تشاهد مساحة خالية يمكن فيها إقامة مباراة لكرة القدم، وهو أمر لم يكن مجرد تخيله واردا قبل عام من الآن.
للمرة الأولى، لا يتم اختتام معرض الكتاب بتصريح يتضمن أرقاما مليونية عن عدد الحضور أو عن إجمالي المبيعات، فالعادة السنوية تم إيقافها هذا العام بقرار من وكيل وزارة الثقافة والإعلام للشؤون الثقافية، بداعي عدم الدقة، الأمر الذي كان مثارا لسؤال بسيط، هل ما زال علينا أن نصدق الأرقام التي أعلنت خلال السنوات الماضية،لا سيما في غياب آليات الرصد الفعلية، ووجود فوارق هائلة أحيانا بين الأرقام التي يتم إعلانها من مصدر وآخر؟لم يكن الحصول على نسخة من كتاب ممنوع أكثر صعوبة من العثور على ناشر يخبرك أنه حقق مبيعات أفضل من العام الماضي، لم يكن ليجد الأول النسبة نفسها من الباحثين عنه على ما يبدو، كما أن دور النشر التي أبدت انزعاجا في بدايات المعرض بسبب حصولها على أجنحة أصغر أو أماكن أبعد، عادت لتمارس عملها بهدوء وقد أدركت ربما أن الحضور أقل من المتوقع هذه المرة، وبالتالي فالأمر لا يستحق المخاطرة بمشاركة مقبلة.
أمام جناح دار الفارابي، الذي كان قد تعرض لما يشبه عاصفة في العام الماضي حينما أصبحت معظم مساحاته خالية من الكتب، كان المشهد مختلفا، فحتى اليوم الأخير من المعرض بدا الجناح قريبا من صورته التي ظهر فيها مع انطلاق المعرض، فيما بقيت كميات من كتب أثير النشمي تتصدره بانتظار المشتري، يخبرنا الناشر أنه أحضر الكمية ذاتها من الكتب التي كان الطلب عليها هائلا في العام الماضي حيث نفدت مبكرا من الدار الناشرة، وهو ما توقعه ناشرون آخرون فاشتروا كميات منها في بداية المعرض وقاموا بعرضها فيما بعد، على زائرين في حالة عالية من الشراهة الاستهلاكية، وبأسعار أكبر بالطبع.
في اليوم الأخير، لم يخف البعض استغرابهم من قلة الزحام المعتاد رغم أن التاريخ وافق عطلة نهاية الأسبوع، ثمة من قال إن اليوم الذي سبقه كان هو النهاية الفعلية، وثمة من تحدث عن منع أعداد كبيرة من الدخول لأسباب تنظيمية بحتة – أمر لم يلاحظ أبدا على البوابات الخارجية على أية حال- في حين ذهب البعض إلى فرضية «كورونا» التي لم يستبعدها صاحب دار طوى كسبب لإحجام الكثيرين عن الحضور للمعرض، غير أن السؤال حضر نيابة عنهم مرة أخرى، وهل كانت كورونا في إجازة مرضية حينما أقيم المعرض الماضي؟