لا يعيب واحدنا على أي إنسان، ميله إلى التروي ولا لغته ومشاعره التصالحية. فقد كان الكثيرون يستغربون حديثنا عن نزعة إمبراطورية إيرانية، في زمن أفول الإمبراطوريات، ويرون في قولنا مبالغة وتخليقاً لمواقف أمة يُفترض أنها جارة وإسلامية يقودها معممون يقومون وينامون على ذكر آل بيت الرسول عليه السلام، ولا يطمعون في مقدرات الآخرين ولا في حقهم في أن يختاروا مصائرهم بأنفسهم. لكن علي يونسي، مستشار الرئيس الإيراني حسن روحاني، قالها بصريح العبارة «إن إيران أصبحت إمبراطورية كما كانت عبر التاريخ، وعاصمتها بغداد حالياً، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما في الماضي»!
علي يونسي هذا، محسوب على ما يُفترض أنه تيار معتدل في إيران، ولهذا هو مستشار لرئيس قيل إنه معتدل. ولنا أن نتخيل ما تضمره المرجعيات الشيعية الإيرانية، إن كان هذا هو ما يبوح به «المعتدل». وفي الحقيقة، لا علاقة لما قاله يونسي بالمنطق التاريخي والسياسي، ولا سيما وهو في شرحه لرأيه ذاك، يقول إن «جغرافية إيران والعراق لا يمكن تجزئتها، وثقافتنا غير قابلة للتفكيك، لذلك إما أن نقاتل معاً أو نتحد.. فكل منطقة الشرق الأوسط إيرانية»!
الرجل، في هذره المسموم، يبشر بنزاع مديد، وهو ذو خلفية استخبارية، إذ عمل وزيراً للعسس في حكومة محمد خاتمي. وواضح أنه لا يعرف معنى الثقافة ولا معنى التاريخ، لأن ثقافة بغداد، ليست شبيهة بثقافته إن لم تكن مغايرة تماماً، لغة وميراثاً. ثم إن العراقيين أنفسهم، لا سيما في خلفيات الأوساط الحاكمة، باتوا في أفضل مجاملاتهم يتحدثون عن عراق واحد غير مجزّأ، بينما يونسي يتحدث عن عراق وإيران لا ينفصلان. وكيف كانت أو ستكون منطقة المشرق العربي إيرانية؟ ربما جوابه أنها ستكون بالحرب أي بالقتال الذي أشار إليه!
وإن كان يونسي يطمح إلى استعادة تاريخ الفرس في العراق، فهو يتغاضى عن أمرين جوهريين، الأول أن الساسانيين كانوا محتلين. والثاني أن الاحتلال الإيراني كان قبل الإسلام، وكان الإيرانيون أتباع الكاهن الزرادشتي ساسان. ربما لهذا السبب لم يستخدم يونسي كلمة الإسلام، وكان يتحدث عن إيرانيين.
التوجه الإيراني الراهن، ذو النزعة الطائفية، يراهن على استكمال قوس سيطرته على المشرق العربي.
غير أن واقع الحال وسياقات التاريخ، يجعل النزعة الإمبراطورية محض مشروع احتراب سيكتوي بناره المسلمون بكل طوائفهم والعرب مع الفرس.
الشعب الإيراني نفسه، يعاني من حكم الملالي، وهو سينتفض آجلاً أم عاجلاً، ولن يكون ذلك صعباً عليه وهو الذي أسقط الحكم الشاهنشاهي الإمبراطوري في إيران. أما أن يتحدث مسؤول إيراني عن بغداد عاصمة لإمبراطورية فارسية؛ فهذه صفاقة تقوم على جهل بطبائع الشعوب وعلى منطق المقامرة والافتئات. لكن محاسن مثل هذه المجاهرة بالنوايا، تكمن في صلاحيتها لتنبيه الغافلين الذين يرون في السياسات الإيرانية شيئاً غير ما تنطوي عليه من أطماع ومقاصد وأخاديع تستخدم العداء اللفظي لأمريكا والصهيونية، لذر الرماد في العيون.
أما المشرق العربي، فهو عربي إسلامي سُني منفتح، عاش راسخاً عبر القرون، ومرت عليه غزوات وأمم، وظل كما هو.