على امتداد مسار التفاوض بين مجموعة 5+1 وإيران حول ملفها النووي؛ ظلت المفارقة الأهم والأغرب، تتعلق بموضوع مفاعل محدد، من بين جميع منشآت إيران النووية، جرى التقدم في المباحثات بشأنه، وحُسم أمره بمقترحات إيرانية عاجلة. موضع المفارقة هنا، أن هذا المفاعل، هو «فوردو» نفسه، بعبع إسرائيل حسب بكائيات زعمائها وتشكياتهم الكاذبة. فـ «فوردو» هذا، يكمن عميقاً في بطن الجبال، إلى مدى لا تستطيع قذائف الطيران الإسرائيلي بلوغه، وهي ما هي حين تقصف عمائر غزة، وتحفر في الأرض، ما يزيد عن مدى ارتفاع العمائر قبل قصفها. فقد كان الإيرانيون حريصين على طمأنة الغرب، وإسرائيل تالياً، بالتساهل الحاتمي في موضوع «فوردو»: يغلقونه تماماً ونهائياً، وإن أذن الغرب، يمكن تحويله -إن لم يُغلق- إلى مركز أبحاث وتطوير، بعد نقل وحدات الطرد المركزي التي فيه، إلى «ناتنزا» في مقاطعة أصفهان وسط البلاد، حيثما يوجد المركز الرئيس لتخصيب اليورانيوم في إيران.
ولأن حسابات مجموعة الدول الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي مع ألمانيا، ليست حسبة إسرائيلية محضة، كالتي يزعمها الجناح الإيراني المتشدد، الذي يتاجر بأكذوبة محو إسرائيل باعتبارها هدفاً؛ فإن الطرف الغربي لم يكتف بالعرض الإيراني المتعلق بـ «فوردو» ولا بمفاعل «أراك» الذي اقترح الإيرانيون بشأنه، إعادة التصميم. وكانوا يزمعون تشغيل «أراك» في تموز (يوليو) المقبل، في خط بحثي وإنتاجي مع استخدام البولونيوم المشع، ذي الصفات الكيميائية المشابهة لليورانيوم، لإنتاج قنبلة البلوتونيوم. في عرضهم الأخير قالوا، يمكن تحويل «أراك» إلى مفاعل أبحاث يزوده الغرب نفسه باليورانيوم متدني التخصيب. لكن الغرب رفض وقال إن إعادة التصميم لا تنفي احتمالات العودة بالمفاعل إلى سيرته الأولى.
الإيرانيون، في سياق عملية التفاوض، استفادوا عنصر كسب الوقت للمناورة، من الاتفاق الموقت، الذي أبرم مع مجموعة 5+1 في نوفمبرمن العام الماضي، ومنحهم تخفيضاً للعقوبات. ففي الوقت الذي بدا فيه الغرب متعجلاً، كان الإيرانيون يجدون ضالتهم لتبرير التلكؤ؛ في المسائل التقنية المعقدة. وبسبب ضغوط الجناح المتشدد، على حكومة الرئيس حسن روحاني، كانوا يعبّرون عن قناعتهم بأن ما قدموه كان سخياً وهائلاً وينبغي أن يُحدث اختراقاً يساعد على توصل الطرفين إلى اتفاق يراعي حق إيران في امتلاك الطاقة النووية. فقد تراجعت إيران، بموجب الاتفاق الموقت، عن التخصيب بنسبة 20% التي يمكن أن تحث الخُطى سريعاً، للوصول إلى السلاح النووي، والتزمت بالحد الأدنى من التخصيب، وهو 5% على أن يُصار إلى تحويل المخزون إلى مُركب الأوكسيد، الذي لا يتاح تحويله بسهولة إلى وقود نووي.
في الاجتماع الأخير بين الغرب وإيران، في العاصمة النمساوية فيينا، بدت الفجوة كبيرة بين مواقف الطرفين، واهتزت القناعات بأن الموعد المقرر لتوقيع اتفاق نهائي مع طهران، وهو 20 يوليو المقبل سيكون مناسباً. لأن اتفاقاً يقضي بتحجيم طموحات إيران النووية، مقابل رفع العقوبات عنها، لن يكون ناجزاً في ذلك التاريخ. ذلك على الرغم مما أظهرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية، من ترحيب يلامس الابتهاج، بالمواقف الإيرانية الأخيرة، التي رأت فيها الوكالة، رغبة حقيقية في السماح بمراقبة منشآتها النووية، وفي التوقيع على البروتوكول الإضافي المكمل، لمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية NPT وقد فُسرت سعادة الوكالة الذرية للطاقة، بالمواقف الإيرانية، على اعتبار أن إيران أظهرت استعدادها للتعاون مع التحقيق في الأبعاد العسكرية لمشروعها النووي برمته، والوقوف على حيثيات المراحل السابقة التي قطعها، لكن الوكالة نفسها، تشكو من عدم سماح الإيرانيين بدخول المجمع العسكري «بارتشين» الذي يبعد 30 كلم جنوبي طهران، ويضم منشأة نووية!
لكن الغرب، من جانبه، يرى عكس ذلك تماماً. فالخبير الأمريكي «جاري سامورا» الذي عمل لأربع سنوات مستشاراً للرئيس باراك أوباما لشؤون التسلح النووي، يلخص العقبات التي ما تزال تحول دون التوصل إلى اتفاق نهائي، في ثلاث نقاط: صعوبة تثبيت المدى المحدود جداً للتخصيب الإيراني، وصعوبة إلزام إيران بنوع معلوم ومحدد من الأبحاث في مجال الطاقة الذرية خلال المدى الزمني لأي اتفاق، وصعوبة انصياع إيران للشروط التي بموجبها يمكن رفع العقوبات عنها نهائياً.
ويطمح الإيرانيون إلى رفع العقوبات فور التوصل إلى اتفاق، لكن الرفع الفوري ما زال صعباً بالنسبة للأمريكيين الذي يميلون إلى رفع تدريجي للعقوبات بحيث تكون كل خطوة رهناً بالتزام إيران بمحددات ما اتفق عليه. أما الأوروبيون والأمم المتحدة، فهم مع رفع فوري للعقوبات حال التوقيع على اتفاق بين مجموعة 5+1 وإيران. الأمريكيون يعدون الإيرانيين رابحين للوقت بينما المفاوضون يراوحون في مربع مغالبة العقبات. أما إسرائيل فقد استراحت مبكراً، وإن كانت لا تزال تلعب في التفاصيل!
مفاوضات الملف النووي الإيراني: طمأنة عاجلة لإسرائيل
عدلي صادق4 دقائق للقراءة

حجم الخط
