في عصر العولمة والثورة المعلوماتية والتجارة العالمية وعالم القرن الـ21 يكون من الصعوبة بمكان المواءمة بين الأخذ بأسباب المدنية والارتقاء في سلم التطور والتنمية الحضرية مع المحافظة على العقيدة الصافية والثوابت الدينية والأصالة العربية والقيم الأخلاقية والأعراف المجتمعية، إلا في ظل دولة قوية لها هيبتها وقيادة صالحة مؤمنة بواجبها تجاه دينها وشعبها ووطنها، قادرة على مواجهة التحديات والتعامل مع المتغيرات وتحقيق المتطلبات.
والملك سلمان بن عبدالعزيز في كلمته لشعبه عبر عن رؤيته ومنهجه وأوضح لمواطنيه والعالم أسس السياسة السعودية وملامح سياسته الداخلية والخارجية، في ضوء برنامج سياسي اتسم بالثبات على الثوابت والسير على منهج المؤسس في العمل بالكتاب والسنة والحفاظ على وحدة الوطن وأمنه واستقراره والأخذ بأسباب التحضر وتوفير خدمات مجتمعية تحقق الكرامة والسعادة الوطنية للمواطنين.
ولقد عبرت الكلمة الملكية عن قيام المملكة بمسؤولياتها تجاه خدمة الحرمين الشريفين والإسلام والمسلمين وتحقيق تطلعاتهم في أداء مناسكهم حجا وعمرة وزيارة في أمنٍ ويُسر.
ووعد شعبه بتنميةٍ شاملة متكاملة متوازنة في كافة مناطق المملكة، محققة العدالة لجميع المواطنين، وأنه ينظر لشعبه ووطنه بعينٍ واحدة، كما وعد مواطنيه بتحقيق تطلعاتهم وآمالهم المشروعة في ضوء النظام، وأنهم موضع اهتمامه ورعايته، وأن الأبواب مفتوحة والآذان مصغية لسماع مقترحاتهم وأفكارهم في خدمة الوطن داعيا الجميع للإسهام في خدمة الوطن والاضطلاع بالمسؤولية المجتمعية والتكامل الوطني حكومة وشعبا. ومن أجل مجتمعٍ آمن أكد على محاربة أسباب الفرقة وفئوية المجتمع، وأكد على المساواة بين أطياف المجتمع أفرادا وجماعات في الحقوق والواجبات، منبها على أهمية دور الإعلام في دعم الوحدة الوطنية، ودعوته إلى إتاحة الفرصة للتعبير عن الرأي وإظهار الحقائق والبعد عن مثيرات الفتن.
وألزم الأجهزة الحكومية بواجبها تجاه خدمة المواطنين والتيسير عليهم وتوفير الحياة الكريمة لهم دون تهاون وأن المواطن محور اهتمام الدولة، ومن أجل ذلك وجه بتعزيز الأجهزة الرقابية وتطوير أنظمتها والقضاء على الفساد والمفسدين ومحاسبة المقصرين حماية للمال العام وصيانة لحقوق الإنسان وحفظا للأمن، وأن الأمن مسؤولية الجميع.
واستشرافا للمستقبل رأى حفظه الله إقبال الوطن على اقتصاد قوي وأن السنوات القادمة ستزخر بالإنجازات الاقتصادية ونمو القطاع الصناعي والخدمي والمدخرات وتعدد مصادر الدخل في ظل شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص.
وأشار وفقه الله إلى عزم الدولة على تطوير الخدمات الصحية والتعليمية وتوفير الإسكان لجميع المواطنين على مساحة الخارطة السعودية داعيا أبناءه الشباب إلى استثمار ما وفرته لهم الدولة من فرص التعليم مع وعدٍ جميل بتوفير فرص العمل المعينة على الحياة الكريمة، داعيا رجال الأعمال للإسهام في التنمية وتوفير الخدمات وبناء الاقتصاد الوطني.
وقد أشار القائد الأعلى للقوات المسلحة إلى قدر القوات العسكرية وأنها موضع اهتمامه وأن دعم قدراتها القتالية من أولوياته.
واشتملت كلمة خادم الحرمين الشريفين على مبادئ السياسة الخارجية الملتزمة بتعاليم الدين، الداعية للمحبة والسلام والعدالة، والالتزام بالاتفاقيات الدولية ونصرة القضايا العربية والإسلامية وعلى رأسها قضية فلسطين، والعمل على تحقيق التضامن الإسلامي في مواجهة التحديات، والإسهام في معالجة القضايا الإنسانية، والعمل على محاربة الإرهاب والتطرف والتعاون مع القوى العالمية لاستئصال شأفته حفظا للأمن والسلم العالمي.
وأعتقد أن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز بهذه الكلمة أكد لشعبه وللعالم أجمع أنهم أمام أحد رواد السياسة الدولية، وأن ملك المملكة العربية السعودية يعرف مقومات القوة السعودية ويقود شعبه نحو مستقبل مشرق إن شاء الله في ضوء منهج واضح قاعدته الثوابت وجوهره هدي الإسلام ورداؤه الأصالة وهدفه دولة سعودية عربية إسلامية مدنية متحضرة عالمية، وإنها لَمهمة عظيمة ومعادلة صعبة لا يحققها إلا عظماء التاريخ.