اتفق متخصصون في الشأن العقاري، على أن ما تشهده السوق حاليا من ارتفاع في الأسعار، وأزمة سكن طاحنة، هي نتاج تراكمات سنين مضت، سيطرت فيها العشوائية والتخبط على مجريات القطاع، مشيرين إلى أن قطاع العقار السعودي في حاجة إلى ترتيب الأوراق من جديد، واتخاذ قرارات شجاعة ومصيرية، تعمل على استبعاد المتطفلين على القطاع، ووضع أسس وثوابت يسير عليها كل العاملين في القطاع.
بعد أن شهدت أسواق العقار السعودية في السنوات الماضية ارتفاعا كبيرا في أسعار المنتجات، بلغت ذروتها في الأراضي البيضاء، التي زادت بنسبة تجاوزت 400% في بعض المناطق، قبيل تأسيس وزارة للإسكان، وتزامن مع هذا الارتفاع مطالبات عقاريين ومقاولين ومتخصصين بضرورة تنظيم السوق، وتحديد أولوياته، وطالب البعض بإنشاء هيئة عليا للعقار، لتكون مظلة رسمية للعاملين في القطاع العقاري، فيما دعا البعض إلى فرض رسوم على الأراضي البيضاء، بيد أن شيئا من هذا لم يتحقق على أرض الواقع حتى هذه اللحظة.
سوق متخبطة
ووصف الأستاذ بجامعة الملك عبدالعزيز الدكتور خالد البسام، القطاع العقاري بأنه سوق كبير غير منظم وغير متطور.
وقال: أستطيع التأكيد على أننا في السعودية، ليس لدينا سوق عقاري حقيقي، قابل للنمو والتطور مثل بقية الأسواق الأخرى، وإذا أردنا وصفا أكثر دقة للقطاع، فهو سوق عشوائي ومتخبط، يضم مكاتب عقارية طفيلية تعمل بدون أسس وثوابت ومعايير فنية، ويفترض ألا تكون موجودة حاليا، كما أن السوق تضم أناسا ليس لديهم أي معرفة عقارية أو خبرات تفيد القطاع وتدفعه إلى الأمام.
وأضاف البسام: تخبطات السوق وعشوائيتها في السنوات الماضية، كانت ظاهرة للعيان، حيث وقفت وراء ارتفاع أسعار المنتجات العقارية بشكل خارج حدود المنطق والعقل، وكلنا رأينا كيف ارتفعت أسعار الأراضي البيضاء، وكأن التجار يتنافسون فيما بينهم على البيع بأعلى سعر، دون أن يكون هناك رقيب أو حسيب يضع حدا لهذا الغلاء المستشري، الذي أسفر عن عزوف المواطنين عن شراء الأراضي، مما تسبب في ركود، فيما رفض التجار التنازل عن بيع الأرض إلا بالسعر الذي يرضي غرورهم، وهذا دليل على التخبط وعلى العشوائية.
وأضاف: سوق العقار تنقصه أشياء كثيرة وأساسية، يفترض أن تتوفر فيه منذ سنوات مضت، وليس الآن، وأولها وجود مؤشر في كل مدينة، يقيس التغيرات في أسعار المنتجات وأسبابها، ووجود جهات رسمية لديها الخبرة والقدرة على تحديد أسعار المنتجات العقارية وفق مقتضيات السوق وظروفه، وليس وفق أمزجة العقاريين الذين يحددون سعر المنتج بما يضمن لهم أرباحا مبالغ فيها.
ويعتقد البسام أن متطلبات السوق من الصعب تحقيقها في وقت قريب، مشيرا إلى أن كثيرا من العقاريين والمتخصصين طالبوا بهذه الأشياء في أوقات سابقة، وللأسف لم يتحقق منها شيء حتى الآن، ولا أعتقد أن هذه المتطلبات قد تتحقق في وقت قريب، إذ لا بد من قرارات حاسمة وصارمة من الجهات المعنية، لترتيب السوق، وإزالة ما به من عشوائيات وتخبطات، ويتحقق هذا الأمر بوجود مؤسسات عقارية كبيرة تتحكم في عمليات القطاع وأنشطته وليس الأفراد.
مؤسسات لا مكاتب
ويقارن المستشار العقاري فيصل الزهراني بين المكاتب العقارية في المملكة، وبين نظيرتها في دول الخليج، ويقول: العقار تطور في دولة الإمارات العربية، وبخاصة في إمارة دبي، لأنه اعتمد على أسس وثوابت نظمت السوق، حيث قررت أن تعتمد على سوق العقار في إنعاش اقتصادها، وليس على قطاع النفط، وهذا المبدأ سارت عليه الإمارة بخطوات متدرجة وبآلية محددة، حتى تحقق لها ما أرادت، وبدأنا نرى طفرة عقار مثالية في دبي، وما زالت هذه الطفرة مستمرة حتى الساعة، وللأسف لم نر شيئا من هذا يتحقق في المملكة.
وأضاف أن ثقة المستثمرين في إمارة دبي وفي سوقها العقاري، جلب لها استثمارات بمليارات الدولارات من المنطقة وبقية دول العالم، حيث تأكد للجميع أنها باتت سوقا عالمية للاستثمار العقاري، ومن هنا رأينا ناطحات السحاب منذ عشرات السنين، ولم نرها في المملكة إلا في السنوات الماضية فقط.
وقال: لا وجود للمكاتب العقارية الفردية في دبي، وإنما هناك مؤسسات كبيرة، تعمل على أسس وأنظمة ولوائح، هذه المؤسسات تتحكم في مليارات الريالات، أما في السعودية، فتتحكم المكاتب العقارية التي يديرها أفراد في عمليات العقار واستثماراته، وهذا خطأ فادح.

