(1)
المكون الحضاري يقوم على دعامة غايتين (أساسيتين)، وهما الغاية (النفعية) للإنسان، والغاية (الجمالية) التي تعكس (أحلام) ذلك الإنسان، وقدراته الإبداعية، واهتماماته الثقافية والحضارية معا!
فإذا غابت الغاية الجمالية (مثلا)، فإن ذلك يجعل الإنسان رهينا لحاجات نفعية استهلاكية محدودة الأثر والقيمة.
ولعلني أقارب تداعيات ذلك (الغياب) من خلال (أشكال البناء المعماري) في بلادنا.. كما سيأتي!
(2)
مشكلتنا المحلية الأزلية مع (الإسكان)، و(الهم) المستدام للحصول على (عقار) العمر، أفضى إلى (إيجاد) رغبة (وحيدة) ملحة، لامتلاك (بيت) يأمن فيه الإنسان على نفسه وأهله (فحسب)، من غير (اشتراط) قيم معمارية وفنية ما، تعكس ثقافة الإنسان وعلاقته بعالمه وبيئته وحضارته! وهذا ما جعل المكون (المعماري) لدينا عاجزا عن (إثبات) هوية حقيقية لثقافة الإنسان، و(صياغة) (معمار) يعكس إمكانات الفرد الثقافية، ويؤكد على علاقات آسرة، يعقدها إنسان (الحضارة) مع الفن والجمال والإبداع عامة!
(3)
الفعل المعماري.. ليس مجرد (اسمنت وحديد) و(مقاول يمني عادة).. وإنما هو حقل معرفي، يجب أن تكون له أبعاد إنسانية وثقافية وفكرية واجتماعية، تشير إلى أن ثمة (إنسانا) مر من هنا! إنسان له ثقافة حضارية وهوية معرفية (ليست الهوية بالمعنى الذي حبسنا ذواتنا في أغلاله الأبدية!).. إنسان له (أسلوب) في العيش يختلف عن إنسان الأماكن الأخرى!
(4)
ثمة مدن شيدت أعمدتها على تلك الأبعاد الحاسمة، التي تزخر بدلالات تاريخية وثقافية للفعل المعماري في مساحاتها، مما يشي بتجليات متنوعة وثرية من الرموز والمعاني والقيم والأعراف والنظم والطقوس.. بيروت (على سبيل المثال) في مشهدنا البنائي العربي تشهد على ذلك المعمار الفني (الخاص) الذي يفصح عن هوية ثقافية إنسانية لإنسان هذه المدينة الغارقة في حمى الجمال، تختلف بها عن هويات المدن الأخرى (حتى داخل إطار المدن اللبنانية ذاتها)، وكنت قد تحدثت في نثار سابق عن بروز ذلك المعمار المفعم بالدلالات والعلاقات والأطياف التاريخية في مدينة (روما) الإيطالية، التي لكأن كل حجر فيها، تختبئ تحته حكايات لا تنتهي من تاريخ قديم موغل في السحر والتأثير!
(5)
ذلك الفقر الموجع لتجليات معمارية فنية في فضاءاتنا المحلية، ربما يكون نتيجة لأسباب ثلاثة (كما أرى)، أما أولها فهو حالة التراكم البنائي الهائل الذي تزامن مع زمن (الطفرة) لدينا، متوافقا -كذلك- مع الإنتاج المعماري الضخم في العالم كله خلال النصف الأخير من القرن المنصرم، مما أفضى إلى (ضياع) هويات كل تلك المباني، بسبب نشأتها معا في لحظة تاريخية واحدة (مستعجلة)!
أما السبب الثاني، فهو غياب الاهتمامات الجمالية والثقافية في غلس الحاجة إلى (بيت) يستر ويحمي من صروف الدهر المجهول! مما حصر أشكال البناء لدينا في إطار فكر جماعي تقليدي واحد! وثالث الأسباب التي أفضت إلى مسخ الهوية المعمارية في مبانينا ومنشآتنا، هو الفقر المعرفي والفني للمصممين والمعماريين لدينا، والذين يفتقرون إلى أية مرجعيات معرفية فنية في المعمار وفنونه، كما يفتقرون إلى فهم حقيقي عميق لثقافة المدن وتاريخها!
(6)
هل ثمة فرق لدينا في هذه الفترة الزمنية بين بناء يشيد في شمال البلاد، وآخر في جنوبها؟
هل ثمة فرق بين مدن تقبع في المنتصف (الصحراوي) وأخرى في الغرب (البحري)
فروقات أخرى بدأت تختفي بين مبان سكنية وأخرى تعليمية أو صحية!
(7)
هل هناك علاقات حميمية خالصة تربط الفرد لدينا ببيته؟.. لماذا هو في (الخارج) دائما!
(المعمار) لدينا بين غاية (الستر) وفعل (التقليد)!
فيصل الجهني3 دقائق للقراءة

حجم الخط
