تمكن الباحث وكاتب السير محمد السيف أن يعيد بعمق لواجهة المشهد المحلي شخصية وطنية إدارية رائدة، من خلال سيرة حافلة بالإنجازات والنجاحات منذ خطوات التنمية الأولى لهذا البلد.
إذا كانت السيرة الناجحة والتي ما زال صداها مستمرا عن حياة عبدالله الطريقي ارتبطت أهميتها بسيرة النفط المحرك الأول للتنمية، فإن شخصية المنقور ارتبطت بمجال حيوي آخر، وهو بناء الإنسان السعودي الحديث، وتأسيس التعليم العام والعالي في مجتمعنا في مواجهة تحدي البدايات.
في هذا الكتاب لا تقرأ مجرد سيرة شخصية وإنما تستحضر معها سياقا زمنيا لأحداث وشخصيات، وتطورات اللحظات الأولى.
.
ليقف بلدنا على قدميه في مساره الحضاري المعاصر.
هذا النوع من العمل التاريخي المتقن يحتاج جهودا وخبرات مثقف خاص، لانتشال سيرة حياة مثل هذه الشخصية، وإنقاذها من النسيان في وعي عدة أجيال لم تعرف عنه شيئا.
.
استطاع هذا الجهد البحثي بمهنية صحفية إغلاق الكثير من الأسئلة التاريخية والثقوب في ذاكرتنا الوطنية.
هناك العديد من القضايا والأحداث والأفكار التي تستحق التأمل وإعادة النظر بين سطور هذه السيرة.
.
فقد تناول فصل «التعليم في نجد» عددا من القضايا المهمة والشخصيات التي مرت على البلاد، والصعوبات الإدارية والثقافية حينها، وضعف الإمكانيات.
.
التي كانت بحاجة لشخصية قيادية مثل المنقور، فقد واجه الكثير من العوائق بوعي وحزم إداري، كتأخر إدخال مواد الحساب والهندسة وتقويم البلدان مقارنة بالحجاز.
وطرحت صحفيا إشكالية استقدام المعلمين من أقطار عربية وتأثيرهم الفكري، وعرض الكتاب نماذج من بعض الكتابات حولها في ذلك الوقت.
وكانت تفاصيل حضور طه حسين عام 1955م لدورة انعقدت في جدة وخطابه الذي ألقاه في هذه المناسبة، أحد الجوانب اللافتة.
وأشار طه حسين في هذا الخطاب إلى مقولة فرنسية بأن «لكل مثقف وطنين»، وفيها يشيرون لقوة انتشار ثقافتهم.
ولهذا قال: «لكن الذي أريد أن أقوله الآن هو الحق كل الحق، لا نصيب للسرف فيه من قريب أو بعيد، فلكل مسلم وطنان.
.
.
وطنه الذي نشأ فيه وهذا الوطن المقدس»، واستعرض قصته مع أحمد عبدالغفور عطار، وإنشاده بيتين لجرير بنبرة غاضبة.
وبالرغم أن المنقور كان مسؤولا في التعليم إلا أنه كان ينتقد ذلك ويكتب عنه، وقد استغرب الشيخ ابن مانع ذلك في حينها فيقول له «كيف تنتقد بضاعتك».
ومن الإشارات اللافتة في تعليم الطلاب فكرة توحيد الزي المدرسي لهم.
وهي فكرة أتمنى أن تعود إلى النقاش مرة أخرى في هذا الوقت.
من أهم جوانب سيرة هذه الشخصية كانت في «رحاب الجامعة: مؤسسا ومديرا» ونوعية التحديات التي واجهها.
وقد جعلت البعض ضد فكرة إنشائها ومنهم «ساطع الحصري» أبوخلدون والذي زار البلاد لاستشارته في هذا الموضوع، ورأى فيه تأجيل إنشائها، وقد قيل إنه كتب في تقريره لا يمكن افتتاحها في هذه البلاد ولو بعد خمسين عاما.
في هذه القضية يتوقف الباحث السيف عند أحد جوانب تميز هذه الشخصيات الوطنية ودورها الريادي، وهو أن المنقور كان أحد رافعي رأي المعارضة ضد افتتاح الجامعة، ومع ذلك تولى ملف إنشائها بكل أمانة وحكمة.
«يستشف من هذا ما كان عليه المسؤول السعودي حينذاك.
.
.
فهو يبدي لحكومته وجهة نظره بكل شفافية ومصداقية.
.
.
وفي الوقت نفسه يتفانى في خدمة وطنه إذا ما كلف بإدارة مشروع».
وقد صححت هذه السيرة أحد الأخطاء التاريخية الشائعة بين المثقفين حول توليه رئاسة مجلس الوزراء في بعض الجلسات، ونشرته أيضا جريدة اليوم، ووقع في هذا الخطأ الكاتب عبدالرحمن الراشد.
كان للراحل حضور في حكاية نظام العمل والعمال وما أثير حوله من مشكلات، وأشار إلى خطاب أحمد زكي يماني الذي رفعه مبنيا على رأي أرامكو «بأن نظام العمل شيوعي» ومن الجوانب الطريفة حول قصة المجلس الأعلى للتخطيط.
.
اعتراض أحمد عطار عليه، لأن «التخطيط كلمة تعد من الشعارات الماركسية».
من أبرز محطات هذه السيرة في العمل الدبلوماسي كانت في عقد الثمانينات كسفير في العاصمة البريطانية، وهي حقبة تاريخية مليئة بالأحداث وحضور للصحافة العربية مع نهايات معارك الحرب الباردة.
«نجد الفتاة وحكايتها» كانت من أبرز العناوين التي طرحها الكتاب وربما تثير نقاشا لاحقا، وقدم فيها المؤلف تساؤلات مهمة وآراء تستحق التأمل، ولخصها «بأنها رواية شفاهية ملفقة، وإشاعة مغرضة، هدفها كان النيل من توجه الطريقي والمنقور وفيصل الحجيلان العروبي، وتوجه المعمر اليساري، والإساءة الأخلاقية والفكرية إلى تاريخهم بإظهارهم بأنهم مجرد مناطقيين متعصبين، وتحريض النخبة الحجازية البيروقراطية عليهم».
ناصر المنقور: سيرة ليست ذاتية
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
