النماذج البشرية لها أثرها الطيب في الدعوة إلى الفضيلة التي تتوق إليها النفس البشرية، فحينما أقبلوا على منهجهم الرباني بعقولهم وقلوبهم وأرواحهم كي يرووا ظمأهم الوجداني من نبع الإيمان ويُشبعوا أنفسهم من ريّه، فَعَلَتْ به هممهم وارتقـت من خلاله معاملتهم.
جاؤوا إلى حياضه فِرقا وشيعا يضرب بعضهم رقاب بعض، فخرجوا من عنده إخوة متحابين كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضا، وكان يؤْثِر الرجل أخاه على نفسه إلى درجة يقول له فيها: انظر إلى زوجتيّ أيهما أعجبتك أطلقها لك، جاؤوا وهم منكبّون على الدنيا وشهواتها وملذاتها وترفها فخرجوا من مجلسه التربوي والعقائدي وهم رجال خلت أنفسهم من حظ أنفسهم، تجرّدوا من خلال منهجهم تجردا كاملا من التعلق بالدنيا وزينتها، وتواثبوا نحو العمل في الدنيا أيضا ولكن لابتغاء الدار الآخرة، فيُلقي الرجل منهم بنفسه ويدفع بها إلى ملاحقة الأخطار لا يثنيه ذلك ولا يرجعه حتى يحقق مبتغاه في تبليغ ما جاءه من الخير وما دفع به من المثل والقيم العليا، فيكون فارسها نهارا والعابد لربه ليلا مُمتناً له على هذه النعمة الكبرى التي لو لم يكن هناك على الإنسان نعمة سواها لكفى بها من نعمة، فخرجت من بين طيات هذه القيم نماذج إنسانية يحتذى بها.
منها موقف الفاروق بقولته الشهيرة: (ما بال هذه الإبل قد سمنت عن غيرها إلا أنها إبل ابن أمير المؤمنين)، فأمّم رضي الله عنه نصف رأس المال ووضعه في بيت المال فضرب بيدٍ من حديد على المحسوبية والمحاباة وإتاحة الفرص لأُناس على حساب خلق آخرين.
وعلى الجانب الاجتماعي والتكافلي نماذج أخرى، وعلى رأس ذلك شراء عثمان لبئر الماء من اليهودي وإهدائها إلى إخوانه، والقافلة التي بذلها في إغاثة المسلمين وتجهيز جيش العسرة على نفقته الخاصة، والصدّيق وما أنفقه من ماله لإعتاق رقاب المستضعفين من المسلمين وفك أسْرهم من العبودية الظالمة.
وأما على الصعيد العسكري وما قام به خالدٌ فكثير، فكان مقداما بوثبةٍ خالدية إذا اقتضى الأمر ذلك كما حدث في حروب الردة وبالأخص موقعة اليمامة، وكان يتراجع بانسحاب مأمون لجيشه إذا اقتضى الأمر ذلك كما حدث في غزوة مؤتة.
وعلى الجانب التعبُّدي فكانت الوجهة القلبية والروحية والوجدانية تُخرج الواحد منهم من جواذب الأرض الطينية ومن رحاها التي تأخذ بالدائر فيها إلى تيه سحيق في فلكها المشحون بالصراع والتكالب عليها، إلى رضوان الله فكانوا يخلعون الدنيا مع نعالهم عند باب المسجد، وكما قال الإمام علي كرم الله وجهه (يا دنيا غرِّي غيري)، وأما الجانب الأخلاقي فكانوا هم الرحماء بحق، يغدق غنيهم على فقيرهم ويرحم قويهم ضعيفهم ويتلطّف كبيرهم بصغيرهم، رضوا بالإسلام دينا فرضي الله عنهم.
إنهم بالفعل رجال خلت أنفسهم من حظ أنفسهم.
رجالٌ خَلَتْ أنفُسُهُم من حظ أنفُسِهم
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
