إن كان الأدب مفضلا عن العلم فإن لكليهما انعكاسا قادما من النفس البشرية، فالعلاقة بين علم النفس والآداب علاقة جدلية، وهناك تأثيرات متبادلة بينهما.
وتلك العلاقة ليست وليدة العصور الحديثة، بل هي ضاربة بجذورها في تربة التاريخ، فنجد مثلا أن التكوين النفسي لأبطال الملاحم الإغريقية من جهة وظروفهم الموضوعية من جهة أخرى كان له عظيم الأثر في تصرفاتهم وقراراتهم.
وقد رأى عالم النفس النمساوي الشهير «سيجموند فرويد»، الذي عمل بالأساس على النفس البشرية، أن الأدب هو «الأماني غير المتحققة، والمخاوف المؤجلة»، وهو بهذا المعنى وسيلة لتفريغ الأشياء الحبيسة في اللا شعور الإنساني.
وبعيدا عن علم النفس وخباياه، فإن الناقد «د.
عز الدين إسماعيل» يقول في كتابه «التفسير النفسي للأدب»: «إن العلاقة بين النفس والأدب علاقة تبادلية؛ فالنفس تصنع الأدب، وكذلك يصنع الأدب النفس.
النفس تجمع أطراف الحياة لكي تصنع منها الأدب، والأدب يرتاد حقائق الحياة لكي يضيء جوانب النفس».
وإن كان فرويد قد تحدث، في معرض تقسيمه للنفس البشرية، عن الذات الشعورية، وهي شاملة لمجموعة الملكات الفطرية أو الفكرية المستمدة من رغبات النفس بعد تهذيبها بما يتفق ومقتضيات الحياة الاجتماعية والقيم الأخلاقية.
فإن لهذا التحليل النفسي صدى أدبيا نجده في «نظرية النظم» عند الفارسي «عبدالقاهر الجرجاني» الذي يفترض أن إنتاج الكلام هو عملية عاقلة تركيبية تتم في الذهن مستبقة أية عملية أخرى، وهي تتم عبر تصور هيئة للكلام يراد من خلالها إيصال فكرة ما.
وتفرض تلك الهيئة شكلا تركيبيا معينا من التقديم والتأخير للحصول على الشكل الأمثل الذي يوصل الفكرة.
تلك العملية الكلامية، بالمعنى السابق، يمكن تفسيرها في النهاية كنشاط إبداعي، ومن ثم سيختلف مردوده من شخص لآخر؛ فلا نتخيل مثلا أن «الحاج سعيد» السبعيني ستكون له التركيبات اللغوية نفسها لـ «ميدو» طالب الجامعة ذي السبعة عشر ربيعا.
ومثلت تلك النقطة بالذات ثغرة دلف منها العديد من النقاد لمهاجمة كتاب الدراما ممن لم يراعوا الفروقات الثقافية والطبقية والعمرية في لغات أبطالهم.
وفيما يبدو فإن للأمر علاقة بفكرة الموهبة؛ فكم من خطيب سلب لب السامعين وهو في سن صغيرة.
فـ «واصل بن عطاء» لم يكن شيخا طاعنا حين أخرج لنا خطبته الشهيرة التي تجنب فيها حرف الراء (لأنه كان ألثغا)، أما «شيشرون» فكان في عشرينيات عمره حين بدت عليه سمات الخطيب المفوه.
و»شيشرون» هذا هو من قال إن «البلاغة هي الضوء الذي يجعل الذكاء يشع»، والرجل بالفعل كان مشعا طوال الوقت.
وبالمناسبة فإنه فيما يبدو كان يقصد «الفصاحة» وليس «البلاغة» ولكن الترجمة جاءت غير منضبطة، ولكن هذا موضوع آخر.