تنظيم الألعاب الأولمبية مغامرة وتعهد هائل، وهو كذلك لأن هناك أربع مخاطر تهدد جميع الألعاب الأولمبية المعاصرة: الطقس السيئ؛ الأبنية غير المطابقة للمواصفات بسبب التسارع الكبير للانتهاء في الوقت المحدد؛ الاحتجاجات الشعبية من قبل مجموعات مختلفة لتركيز الضوء على قضاياها؛ ومنذ سبعينات القرن العشرين، الإرهاب.
لكن استضافة الألعاب الأولمبية الشتوية 2014 في سوتشي تعتبر بالنسبة للرئيس فلاديمير بوتين مقامرة قبل فيها التحدي بإصرار. وهو قبل أن يأخذ المخاطرة، لأن نجاح الألعاب الأولمبية سيشكل نصرا شخصيا كبيرا للرجل الذي يحبه بشكل شخصي، بحسب آخر استطلاعات الرأي، 20% من المواطنين الروس، وقد هبطت هذه النسبة بشكل كبير، حيث كانت 49% في عام 2008، وحكومته يعتبرها ثلثا الروس مهتمة بتقوية سلطتها أكثر من اهتمامها برعاية شؤون المواطنين.
مقامرة بوتين تشكل مأزقا لكل من يأمل أن تعود روسيا إلى طريق الكرامة والحرية الذي بدأت السير عليه عام 1991. لا أحد بكامل عقله يتمنى أن يفشل الأولمبياد، ولكن في حالة سوتشي، الأمل بنهاية سعيدة يقابله تحدي طموحات رجل واحد ذي إرادة شبه مجنونة بحثا عن السلطة والمجد.
مخاطر هذه الألعاب حقيقية بالفعل. سوتشي، في الواقع، هي أكثر المناطق دفئا في روسيا. لم تكن هناك من قبل مطلقا أي ألعاب أولمبية في مناطق تتجاوز درجة الحرارة فيها في فبراير أحيانا 15 درجة مئوية. ولم يحدث من قبل مطلقا أن كانت الفجوة بين ما هو موجود وما هو ضروري من حيث البنية التحتية واسعة إلى هذا الحد. هذه الفجوة، بالإضافة إلى الفساد الشائع، جعلت تكاليف الاستعدادات لأولمبياد سوتشي تصل إلى 50 مليار دولار على الأقل –أكثر من إجمالي تكاليف جميع الألعاب الأولمبية. ولم يحدث من قبل مطلقا أن أقيمت ألعاب أولمبية في نفس المكان الذي طُرد منه سكانه الأصليون في تصرف يعتبره أحفادهم إبادة جماعية، والذي مات فيه مئات الآلاف، ومع ذلك فإن هذا هو الذي حدث مع الشركس السكان الأصليين لمنطقة شمال القوقاز، في نهاية حملة الإمبراطورية الروسية على منطقة شمال القوقاز المسلمة منذ 150 عاما.
سوتشي هي أيضا أول –وستكون بالتأكيد آخر- موقع يقام فيه الأولمبياد بجانب المنطقة التي يجري فيها ما يمكن تسميته بـ»الجهاد» بكثافة منخفضة. شمال القوقاز شرق سوتشي هو أخطر مكان في روسيا ومن بين أخطر خمسة أماكن في العالم من حيث التهديدات الإرهابية.
لماذا تم اختيار سوتشي إذاً على الرغم من كل هذه التحديات؟ نعم، بوتين يحب أن يتزلج هناك، لكن الأمر أكبر من مجرد رغبة شخصية. هناك مثل روسي يقول إن من لا يجازف ويخاطر فلن يشرب الشمبانيا –وبوتين يحب شرب شمبانيا الانتصار.
مثل أي أرستقراطي روسي تقريبا، يبدو بوتين مهووسا بما يمكن تسميته عقدة بطرس الأكبر، وهو اسم القيصر الذي بنى العاصمة سانت بطرسبرج على مستنقع. بوتين أيضا أراد أن تكون الألعاب الأولمبية تتويجا لسنواته الـ 14 في السلطة، والتي شهدت وقوف روسيا على قدميها تاركة وراءها آلام الانهيار السوفيتي. في مقابلة أجريت معه مؤخرا مع صحفيين أجانب، قال بوتين أيضا إن سوتشي ستسمح للروس بالتماسك بعد الأحداث الدموية في القوقاز –مشيرا إلى حربين في الشيشان.
إذا كان بوتين محظوظا كما كان خلال معظم الفترة التي قضاها في السلطة، فإنه سيتمكن من الخروج من الألعاب الأولمبية بدون حوادث تُذكر، وقد يتقبل الروس تكاليف إقامتها –والتي تبلغ، بالمناسبة، أكثر مما صرفه البلد على التعليم في العام الماضي، وحوالي 80% مما صرفه على الرعاية الصحية. ومع ذلك إذا كانت هناك عدة أيام ممطرة في الجبال، أو انهار مبنى أو مصعد تزلج، أو كان هناك احتجاج شعبي خرج عن السيطرة، أو ما هو أسوأ من ذلك: انتحاري يتمكن من اختراق أكثر من 37.000 شرطي وعلى الأقل 10.000 من قوات وزارة الداخلية وعدد غير محدد من المظليين وعملاء الاستخبارات الاتحاديين، عند ذلك قد تتحول الألعاب إلى نموذج للعار الوطني يجعل الروس يتساءلون: هل كانت سوتشي تستحق ذلك؟
إذا استطاعت سوتشي أن تطلق حركة وطنية لمحاربة الفساد، وإذا أجبرت النظام على البدء بإصلاحات مؤسساتية عميقة، تكرس الشفافية والمحاسبة والانتخابات الحرة واستقلال القضاء، فإن هذا سيكون أفضل إرث تتركه الألعاب الأولمبية في سوتشي على الإطلاق.
* واشنطن بوست
هل ستكون الألعاب الأولمبية في روسيا انتصارا لبوتين؟
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
