كلما اجتمع هذا الثنائي المبدع كان النجاح ثالثهما. وكلما قدما فيلماً، شدّتك الرغبة في الذهاب إلى مشاهدة «إبداع» متميز يعرف كيف يصدّره لك المخرج بإبهار فكري، ويعرف كيف يجسده لك الممثل بأداء لا يقل إبداعاً عن الإخراج. المخرج العالمي مارتن سكورسيزي والممثل وليوناردو دي كابريو في لقائهما السينمائي الخامس يحكيان قصة فساد مالي حصلت مع أوائل التسعينات هزت على إثرها جميع أوساط المجتمع الأمريكي.
«ذئب وول ستريت» هو اسم للفيلم الذي يعرض حالياً في دور السينما العالمية مأخوذ عن السيرة الذاتية التي كتبها غوردن ويروي فيها تفاصيل صعوده من قاع الفقر إلى قمة الثراء الفاحش بفضل تلاعبه بالبورصة، وتحايله على المستثمرين وتسببه في إغراق السوق بخسائر كبيرة. والمذهل أن يكون الشخص نفسه بعد خروجه من السجن هو من يكشف كل تلك العيوب، ويفضح نفسه ليقرأها ويراها الملايين حول العالم.
غوردن الذي اختلس ما يقارب 120 مليون دولار من عملائه، حكم عليه بالسجن لمدة عامين مع إلزامه بإعادة 110 ملايين دولار للمتضررين. برّر السيد غوردن لوسائل الإعلام الأمريكية ما فعل بـ»أن تحايله كان يستهدف فيه الأثرياء من رجال الأعمال وليس الفقراء أو أصحاب الدخل المحدود، وأنهم لم يفقدوا من ثرواتهم أكثر من واحد في المائة فقط».
من المؤكد أن الملايين سيشمئزون من الملياردير غوردن، ولن يجدوا له أي عذر يبرر سرقته لأموال هؤلاء الأثرياء والتمتع بها لسنوات. لكنني أريد أن أخبر السيد غوردن أن هوامير الفساد والاحتيال عندنا لا يتسلطون إلا على أهل الفقر والعوز وأصحاب الدخل المحدود. مليارات يا سيد غوردن نهبت عبر شركات ومساهمات وهمية أخذت الأخضر واليابس من عائلات سعودية، باعت كل ما تملك، واقترضت كل ما هو متاح، حتى باتوا على خط الفقر.
أين ذهبت أموال المساهمين في شركة رزق العالمية مثلاً؟ ماذا حل بالتوجيه الملكي من خادم الحرمين الشريفين عام 2010 القاضي بضرورة قيام إمارة منطقة عسير بتحصيل المبالغ التي جمعها مشغل أموال تلك الشركة ووسطاؤه وإيداع قيمتها في حساب التصفية؟
أكثر من 1.9 مليار ريال سُرقت ونُهبت، حتى أن الأمر السامي تعثر تنفيذه أمام البيروقراطية الفاسدة والأنظمة المخلة التي لا تحمي حقوق أموال المواطن البسيط. طبعاً «ولا تهون» الشركة الوهمية الكبرى شركة «تدمر» التي تُعتبر الراعي الرسمي لشركة رزق العالمية، حيث بلغ إجمالي المساهمات التي جمعتها نحو عشرة مليارات ريال حسب ما أفادتنا به هيئة التحقيق والادعاء العام. بالتأكيد القائمة تطول وتطول... ولو حاولنا حصر مجموع الشركات الوهمية التي باعت الوهم وعصفت بمستقبل وطموح آلاف الأسر السعودية لما اتسع لها هذا المقال.
قد نكون تناسينا في صحافتنا متابعة وإثارة ملف هذه الشركات، لكن صدقوني المواطن الذي تضرر جراء لعنة ما أصابه من هذه الشركات لن ينسى. ما زال لديه أمل أن يعود له رأسماله أو على أقل تقدير جزء منه. الأماني والوعود ما زالت حاضرة، على الرغم من مرور سنوات ليست بالقليلة، لكنها للأسف لن تعود إلا بإصرار الجهات المعنية على تنفيذ الأوامر السامية في حق أصحاب هذه الشركات. والبحث جدياً عن أصحاب الحسابات التي تقطن فيها هذه الأموال «كائن من كان».