إن الحكمة الإلهية قد أرادت أن تخط لنا خطوطا إيمانية عميقة لتنبثق من طويتها وكينونتها خاصية إنسانية عريقة تتمركز حول مدى إمكانية التحمل الإنساني وقدرته على المضي قُدماً دون الالتفات إلي أجر سيفنى بعد حين، هذه واحدة.
والأخرى هي العطاء بلا حدود دون التطلع إلي مقابل دنيوي زائل، فقد يقدم الإنسان جهدا بشريا خالصا وفي أتم صُوَرِه الإنسانية وقد يبدو كذلك غاية في الروعة والمثالية ولا يحصل الإنسان في هذه الدنيا على جائزته المنتظرة بعد المكابدة والعناء، فالقلوب بين أصابع الرحمن يقلّبها ويوجهها كيف يشاء كلٌ على حسب ميوله واستعداداته ومقوماته التي أودعها الله بمن كرمه في هذا الوجود، فلكلٍ وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات.
فسبحان مكور الليل علي النهار ومسيّر الفلك في البحار ومن انزل من السماء ماءا من بين طيات السحاب والغمام ، ومن جعل الصبح يشهق بأنفاسه العميقة ليخرج علينا من رحم الدجى في بهاءٍ وروعة ونور يملأ أرجاء الكون الفسيح ليرى الناس من خلاله هذا الكوكب المضئ الذي يعجُّ بالمخلوقات أحياءا وأشياءا في كل وقت وحين.
وتعلو صيحات ذلك الصراع الإنساني على ظهر الأرض وكلٌ ميسّر لما خلق له .
فهذا بالنسبة للمجال العلمي أما بالنسبة للمجال السياسي فكان لهم الدور الرائد والسابقة في الجلوس إلي القبائل ومحاورتهم والاستماع إليهم وقبول أعذارهم بعد حروب الردة فكان ذلك اعترافا بعينه بقوة المسلمين السياسية الضاربة التي جعلتهم مكان الرأس من الجسد ليتربعوا بذلك على ذروة سنام المنطقة العربية بأسرها بل وصلت العزة والقوة إلي بسط سلطانهم وهيمنتهم على مدائن النفوذ الرومي والفارسي ، وكان ذلك أصدق تعبير عن حنكتهم السياسية بعد انقضاء الفتوح والمعارك الحربية ، وعلى الجانب الاقتصادي فقول الفاروق يغني في هذا الشأن (ما بال هذه الإبل قد سمنت عن غيرها إلا أنها ابل ابن أمير المؤمنين ) فأمّم رضي الله عنه نصف رأس المال ووضعه في بيت المال فضرب بيدٍ من حديد على المحسوبية والمحاباة وإتاحة الفرص لأُناس علي حساب خلق آخرين .
وعلى الجانب الاجتماعي والتكافلي ففيه ما فيه الكثير، وعلى رأس ذلك شراء عثمان لبئر الماء من اليهودي وإهداءه إلى إخوانه والقافلة التي بذلها في إغاثة المسلمين وتجهيز جيش العسرة على نفقته الخاصة ، والصدّيق وما أنفقه من ماله لإعتاق رقاب المستضعفين من المسلمين وفك أسْرهم من العبودية الظالمة .
وأما على الصعيد العسكري وما قام به خالدٌ كثير فكان مقداما بوثبةٍ خالدية إذا اقتضى الأمر ذلك كما حدث في حروب الردة وبالأخص موقعة اليمامة وكان يتراجع بانسحاب مأمون لجيشه إذا اقتضى الأمر ذلك كما حدث في غزوة مؤتة .
وعلى الجانب التعبُّدي فكانت الوجهة القلبية والروحية والوجدانية التي تأخذ بماهية الإنسان العابد وكينونته المتوجهة لربه ، كانت هذه الشعائر تُخرج الواحد منهم من جواذب الأرض الطينية ومن رحاها التي تأخذ بالدائر فيها إلى تيهٍ سحيق والسير في فلكها المشحون بالصراع والتكالب عليها أما هم رضوان الله عليهم فكانوا يخلعون الدنيا مع نعالهم عند باب المسجد وكما قال الإمام علي كرم الله وجهه (يا دنيا غرِّي غيري) ، فقُطعت ساقٌ تالفة لأحد العابدين وهو يصلي من شدّة خشوعه وانهماكه في صلاته ، وأما الجانب الأخلاقي فكانوا هم الرحماء بحق يغدق غنيهم على فقيرهم ويرحم قويهم ضعيفهم ويتلطّف كبيرهم بصغيرهم رضوا بالإسلام دينا فرضي الله عنهم وإنه للحق الذي لا مراء فيه .
العنوان الرئيسي
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
