يأتي التعبير عن الرأي على مستويين، يهتم المستوى الأول ببراعة الفكرة، وأما المستوى الثاني فيهتم ببراعة العرض التقديمي لها. تتجلى براعة الفكرة في وضوحها وقدرتها على برهنة ما تدعيه من منافع في مختلف الظروف. أما براعة العرض فلا تقل أهمية عن براعة الفكرة، وقد تصبح الجانب الأهم في بعض الظروف.
هناك آراء تنتشر بأقل مجهود في العرض، ومن أمثلتها الأفكار البسيطة على الأفهام والمألوفة أو التقليدية (كالمتداولة عبر الواتس اب). وهناك آراء تأخذ جهدا كبيرا في الصياغة لتصبح سهلة الهضم، مثيرة للاهتمام، ومحفزة للتأييد، وقد تتطلب كذلك تفهما كبيرا لتقاليد وخلفية وتطلعات وتعليم الجمهور المراد توصيلها إليه حتى تبدو مألوفة، ومتطورة، ونافعة ومحفزة لدعمهم، ومن أمثلتها الأفكار غير المألوفة، الحديثة أو المعقدة (كالمتداولة بين الباحثين أو الفنيين، وبعض قرارات المسؤولين).
أحد أهم دواعي التعبير عن الرأي هو إحداث التأثير الإيجابي على المجتمع. وبكل الأحوال، سيتطلب التغيير وقتا وعدم استعجال بالنتائج ومراعاة واحتراما كبيرين لتطلعات المجتمع.
الآن أبدأ ببناء فكرتي (محور مقالي لهذا الأسبوع)، وأبذل ما أملكه من جهد حتى أعرضها بالشكل الذي يحترم ويليق بذكاء القارئ.
في أي مجتمع، تتعدد تيارات الفكر بحسب التنوع الثقافي الذي يحتضنه. بالتالي من الطبيعي أن يمر أفراد المجتمع الواحد بصدامات فكرية متكررة، ولكن ليس من الطبيعي أن يهدأ ويتوحد ويتطابق في جميع وجهات النظر المتداولة فيه. وجود التطابق بأي مجتمع قد يعني وجود احتكار وهيمنة على خيارات ما يعرض عبر قنوات التعبير عن الرأي الأكثر شعبية، أو وجود تركيبة «كيموثقافية» تعطى بجرعات منتظمة لتخريج أفراد لا يجرؤون على الاعتراض، أو إعداد نفوس تستعظم بدواخلها المخاوف من كل شيء غير مألوف حتى لا ترى ولا تعي سوى ما يتوافق مع ما تم دمغه بعقولها، ما يصعب انتشار الأفكار المتطورة ويبطئ التأثير الإيجابي المراد منها.
في الواقع، يمر مجتمعنا بمرحلة غير مسبوقة من الانفتاح وفرص التلاقح الثقافي والنضج المعرفي لتعدد وتنوع قنوات الإعلام والتواصل الاجتماعي والحريات التي تتيحها للفرد لنشر وتلقي كل ما يخطر في البال مما لا يمس بالأمن القومي والعقائدي. وعلى الرغم من أنه لا زلنا نشهد مرور الكثير من الأفكار السخيفة أو المغلوطة، لكن مع ذلك، الوضع مطمئن وصحي، و لا يدعو للقلق. فتلك دلالة على اتساع قنوات النشر وانفتاح أبوابها لاستقبال كل الرسائل. وقد ساهم ذلك في تكون نضج معرفي ملحوظ بالمجتمع، حيث يقوم أفراده بالتقييم والتصحيح من تلقاء أنفسهم مستخدمين معايير (لا فضل لمؤسسات التعليم المحلية فيها) ابتكرها أفراده وتعارفوا عليها للحد من مرور الأفكار المتدنية كمعيار «السماجه«، »فوبيا التغريب والتآمر الخارجي»، »خطأ الحكم في النوايا»، و«خطأ التعميم».
والبشارة التي أود أن أختم بها، هي أننا نملك بيئة متعطشة للأفكار الناضجة والمتطورة ونملك عقولا ذكية ومتعلمة، ولا ينقصنا سوى القليل من البراعة في إعداد العروض التقديمية لها لتتمكن من المرور الكاسح وحشد التأييد.
التعبير عن الرأي
حنان المرحبي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
