تياران رئيسان ما يفتآن منذ الثمانينات يتصارعان صراعا مرا، صراعا لا هوادة فيه ولا تسليم، حتى صار (الجدل للجدل والخلاف للخلاف)، ومهما رفع أنصار كل تيار من شعارات فهي لا تعدو فقاقيع إعلامية براقة، حتى أصبحنا في مهب الاختلاف والتصنيف والاتهامات المتبادلة، وما اغتيال دكتوراه السريحي إلا وجه من أوجه هذه الاختلافات والحروب حين نحروا جهده وكدّه ليكون عبرة للمتحاذقين، وما دونها ربما أعظم من المسكوت عنه في الكثير من مؤسساتنا العلمية والثقافية والإعلامية وغيرها.
يجب أن نعترف بأن كل تيار أحكم سيطرته على مؤسسة من المؤسسات أيا كان اختصاصها، فإنه يضرب عرض الحائط بكل المشتركات، والشعارات المعتمدة على الكفاءة أو الوطنية أو ما في حكمهما من مُثل بيضاء، فيعمل جاهدا على إقصاء كل من يشتبه في انتمائهم للتيار الآخر، إما بالشكل أو بالرأي والرؤية أو بالوشاية من (فاعل خير) خلال التقصي عن هوية الشخص المجهول، وربما وصلوا إلى الرائحة إذا ما كان يضع عطرا شرقيا أم غربيا، وما أكثر ضحايا هذه الاشتمامات التي جعلت (المقابلات الشخصية) المحك الأخير للوصول إلى معدن القادم المجهول، أما الجهات المختلطة فتتعالى فيها الصراعات والاتهامات إلى درجة خفوت بريق تلك الجهات؛ لأن كل ترس في محركها يعمل عكس الآخر.
نحن أول من يكفر بالشعارات التي نرفعها سواء في ميادين الطائفية أو المناطقية أو التياراتية التصنيفية الرهيبة، فمهما تحدثنا عن التعايش والوطنية وكل الشعارات البيضاء، تظل جينات التعصب للهوية (الأصل) في التنشئة هي الجينات النشطة، والمحرك الأساس، وكل الهويات الأخرى المكتسبة لا تعدو (ماكياجات) تزول سريعا وتتلاشى تحت اكفهرار الأصل الفج الذي لا يؤمن بالمشتركات إلا ما دام سيف الحجة قائما على محاولاته.
قبل أيام رأينا وقرأنا بأسف ما حدث في ندوة (التعايش) في معرض الكتاب، وقبله الكثير، وكيف اجتمع النقيضان (المشايخ/‏‏‏ والمثقفون) في صالة واحدة، لكن التعايش انسحق بين فكي كماشة الاتهام (بالتغريب/‏‏‏ والتداعش)، حتى صار الأمر مخجلا في جل الفعاليات الثقافية، ويا للألم حينما أصبح المتدين المعتدل مصنّفا، والمثقف الحر متهما، فثارت السؤالات التي حركتني لكتابة هذا المقال: لماذا لا نحضر إلا لنختلف؟ إلا ليقرّع أحدنا الآخر؟ إلا ليدّعي أحدنا أنه مالك الحقيقة الأوحد؟ هل نجتث الفعاليات الوطنية ليستقل كل تيار بفعالياته؟ هل نعد حضور المثقفين ومشاركتهم في الملتقيات الدعوية التي يهيمن عليها المشايخ ولا يدعون غيرهم وصمة؟ وهل تعد جريمة إذا حضر المشايخ الملتقيات الثقافية التي يهيمن عليها المثقفون ولا يحبذون حضور ومشاركة فرقائهم؟ وما دور مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني في هذه المسألة بالتحديد؟ ربما لا دور له ولا تأثير مادام الطرفان لا يؤمنان بالشعارات التي يطلقانها عبر كل منبر يهيمن عليه أحدهما، والحقيقة المرة أن تهمة الإقصاء التي يتهم بها كل تيار الآخر، هي التهمة الحقيقية لكل منهما، فهما إقصائيان إلى النخاع وبشراسة رهيبة، فلا مكان للحمائم في صقريتهم المتوحشة.
آن الأوان أن يصبح الوطن مشتركا حقيقيا، وأن نتشارك جميعا في بنائه بكل اختلافاتنا، لا وفق تصورات البعض، وأن نتحرر من عقدة امتلاك الحقيقة واتهام الآخر، وأن نؤمن عميقا بأهمية التعددية الفكرية، فلا أحد ينكر ما للتيارين من فضل رغم السلبيات، فصراعهما الطويل أثمر عن تنور المجتمع نسبيا من خلال محاكمات عقلية محضة، قادت إلى مراجعة الكثير من المقولات والأطروحات، فأخذ الناس ما ينفعهم وأعرضوا عن التنطع أو الانفلات.
ليعلم السلفيون أن الالتفات إلى الخلف يؤخر الماشي ويعثره، وليعلم العصرانيون ـ أيضا ـ أن القفز إلى الأمام مظنة للسقوط، ونحن في أمس الحاجة إلى التكاتف والتعاضد وفق رؤية متوازنة بين (الأصالة والمعاصرة)، وأن نُقبل على الحياة كأننا نعيش أبدا، ونتقي الله كأننا نموت غدا، ولا معنى أبدا للمراهنة على توجه السلطة السياسية ومحاولات استمالتها واستعدائها ضد الآخر، بل التحدي الحقيقي لعقلاء مشايخنا ومثقفينا أن يتحدوا لبناء مشروع حضاري حقيقي ينبذ العنف والإقصاء ويعزز الهوية العربية والإسلامية لنا، ويؤهلنا إلى دور رائد وفاعل في الحضارة الإنسانية، نعشق الجمال ونتذرع بأي ذريعة تحييه في نفوسنا وقلوبنا، ونكره القبح والفحش وما يخالف الفطرة الإنسانية ونتذرع بكل ذريعة تقصيه عنا.
لنحصر خلافاتنا في أطر لا تتجاوزها، ونعزز مشتركاتنا، ونبحث في إرثنا عن كل بارقة ناصعة تفلج حلقات التكبيل، فليس من المنطقي أبدا أن نتمسك بمقولات قديمة ربما لا تثبت في ميزان العقل من أجل أن قائلها أو فاعلها فلان، وليس من المنطقي ـ أيضا ـ أن نلغي إرثنا بأكمله بحجة أنه لا يعجب الآخر، ويا ليت قومي يفعلون!!