قال لي كثير من الأصدقاء: هل ستذهب إلى معرض الرياض للكتاب هذه السنة أم ستكتفي بما يصل للمكتبات أو عن طريق البريد؟.
قلت لهم لن أفعل، فقد تضمخت هذه السنة من عبير معارض الكتاب في دول عربية أخرى، وتشرفت بالتجول بين ألوف الكتب، وقمت بهوايتي المفضلة عبر استنشاق رائحة الورق ذات العطر النفاذ الآسر لعقول العلماء والأدباء والمثقفين.
ولم هذه النية على عدم الذهاب؟ كنت أتبسم لهم فأنا من أزهد الناس في الكتب السياسية أو الفكرية التي تتغير وتتبدل معلوماتها وقيمها مع تغير الأنظمة والأحزاب في البلدان، كنت أحرص على تقييم الكتاب من حيث جودته العلمية أو براعته الفكرية والأدبية وأعشق اقتناء الكتب التي تزيد في ديانة الإنسان أو خلقه أو مروءته أو تكسبه خصالاً حميدة أو أفكاراً نافعة أو تكون مراحاً أدبياً تكسبه لساناً وذائقة وخيالاً.
قلت لهم: يا أصدقائي ليست الكتب ترفاً ولا عبثاً، لقد كانت المجتمعات العربية تفرح بالكتاب ولكنها تعرف قيمة الحرف، فليس كل من تصدر للتأليف مفكرا، وليس كل من طبع كتابا استحق لقب مثقف، وفي عصر تتزايد فيه المطابع ويكثر فيه الرديء ويقل الجيد أصبحنا نخشى أن نرى عدد المؤلفين يزيد على عدد القراء، أصبحنا نصرخ جهراً ونتهامس سراً: أدركوا الكتاب العربي من العبث.
وأي عبث أعظم من أن ترى تراث آبائك العظيم الذي خلفه علماء الإسلام عبر مئات السنين تتقاذفه مطابع تجارية سقيمة، بل كاذبة تحرف المتون وتقلب الكلام وتزور العلوم، وتتأسف أن تتسابق لعرضه مكتبات تجارية سعودية وشهيرة، لماذا أصبح أكثر الناشرين لدينا يعتذرون من طبع كتب التراث، ويعمدون إلى روايات تافهة أو قصص لا تحمل أي جودة لفظية أو أدبية؟، ولماذا جعلنا الكتاب سلعة رخيصة فلا توجد جهات علمية عليا غير رسمية تكون جادة في عملها ويختارها المؤلفون بأنفسهم، مهمتها أن تراقب هذا السيل من كتب التراث التي تم العبث بها تجارياً أو طائفياً ومذهبياً، ولماذا نرى هذا الغثاء من سقيم الفكر الذي لا ينتج لنا أدباء ذوي ذائقة مميزة أو علماء مبرزين في مختلف جوانب الدين والدنيا.
يا أصدقائي: كما يوجد شعر هابط وفن هابط فإنه يوجد أيضاً كتاب هابط، ومتى ما أصبح النقد ضعيفاً وخافتاً فإن سرطان الكتاب الهابط يستشري بلا هوادة أمام طغيان المادة ولعاب أصحاب الأموال.
يا أصدقائي: في كل سنة نسمع عن جولات للمحتسبين وعن دعوات في قاعات المحاضرات لكبح جماح الإسلاميين، فهل هذا معرض للكتاب أم مكان لتصفية الحسابات وفرد العضلات؟، لماذا من يحاضرون في معرض الكتاب هم من يحاضرون في مهرجان الجنادرية؟ وهم أنفسهم ضيوف القنوات الثقافية الرسمية والنوادي الأدبية؟ هل عقمت بلادنا من العلماء الشرعيين والشعراء الناضجين والمؤلفين المتميزين؟، أليس أعضاء هيئة كبار العلماء ومشايخ الحرمين الشريفين لهم مؤلفات؟، أليس الكتاب الشرعي له حضور بارز بل هو الأبرز؟ فلماذا لا يكون لأصحابها نسبة كبرى من هذه الدورات والندوات، إنه معرض للكتب والمؤلفين قبل كل شيء ومن حق أصحاب الكتب أن يتحدثوا!!.
أليس من الواجب أن نرى في معارض الكتاب دورات علمية جادة تخدم ألوف الكتب المعروضة سنوياً بدلاً من هذا الضجيج المستمر؟، أليس الأولى أن نرى دورات في دراسة التاريخ وكتب التاريخ ودورات في علوم الشريعة فقهاً وتفسيراً وحديثاً، والتي تتصدر كتبها معارض الكتاب العربي بدون منازع، ودورات في تحقيق التراث والمخطوطات وحفظها، ودورات في اللغة العربية ونحوها وصرفها وشعرها، ودورات في التقنية الحديثة بفروعها، ودورات في الرياضيات والفلك والفيزياء؟، وهكذا يتحول المعرض الدولي للكتاب لساحة كبرى لتعليم العلوم بدلاً من استعراض العضلات من تيارات متصارعة لن تنتهي معركتهم حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
يا أصدقائي: عندما ينتهي هذا الشغب من المتصارعين حينها سنتذوق طعم معارض الكتاب ونستمتع بعبيرها.