الهمزة واللام هما الحرفان اللذان يتناوبان على تفهيمنا هذه الظاهرة الطبيعية لعصبي الحياة التي نحبها حبا جما (الماء والمال) فلا يغدو يوم ولا يروح نهار إلا وكثير من أرصدتنا المائية والمالية تنجرف نحو أجواء نجهلها تاركة آثارا كبيرة وراءها قد تبدو حسنة حين يرزقنا الله بتكثف للبخار يمطرنا ماء أو مالا مرة أخرى في رحلة أصبحت عادية بحكم التكرار والاستمرار.
وعلى النحو العام لا يمكن أن أحيط علما بما يحدث أثناء عملية التبخر إلا معلوماتي البسيطة المتعلقة بأسبابها وأهدافها أو فضولي القاصر في التحليل الاقتصادي والقراءات الملتهبة في أداء (البورصات) والأسواق، لأحتار بين تجارب كنا نشاهدها في مختبرات مدارسنا المتواضعة وتصديقنا لكل ما يجزم المعلم به أنه من نتائج تلك التجربة قبل انتهائها وبين (شاشات) عملاقة تتبارى فيما بينها في إظهار أرقام وحسابات فلكية ورسومات عمودية وأفقية لنقاط يزعم أهلها أنها مؤشر السوق.
مع أن الكيميائيين أثبتوا أن الماء مادة يعتريها التبخر بالبرهان والمشاهدة فحق لنا أن نؤمن ونعترف، وإخواننا الاقتصاديون لم يقدموا لنا تجربة واحدة لتبخر الأموال بل ارتفعوا لحد محاكاة الواقع، فجعلوا قلوبنا صيدا ثمينا لاقتناصات ضربات لا يعجبها إلا رأس المال، ولا تعنيها الأرباح في شيء فهي فراخ صغيرة سريعة الهضم يقتات منها أصحاب الأصابع المرفوعة والأيدي التي لا تكف عن الإشارات في صالات (البورصات).
وحسبي في مجال القياس والمؤشرات أن تأثير الأبخرة على قياس الضغط الجوي والرطوبة وكثير من ترددات المناخ أصبح من البديهي في مجال أفصح عنه العالم مؤخرا، ليتفرغ لغموض كبير آخر في مجال أوسع وأضخم هو بخار المال الذي ساقني جنون وتكهن أنه هو المؤثر في الأسواق وزلازل الانهيارات الأساسية والارتدادية في العالم أجمع وليس المال نفسه.
أما العذر الواضح لهؤلاء الاقتصاديين وأولئك الفيزيائيين، فهو القاعدة المنطقية أن تأثر الشيء يعرف من آثاره إن تعذرت معرفته بنفسه، والأموال التي يموج بها محيط المضاربات والشراء والبيع في أي سلعة أو خدمة لا يمكن أن تزول أو تفقد إلا إذا جاءتها جائحة من السماء فاحترقت أو غافلها (تسونامي) من نوع مخصص لها فأطاح بها في قاع البحار المائية.
لكن أن ينشغل الناس في متابعة الصعود النادر والطارئ وغير المبرر للسعر والهبوط الحاد والدائم وغير المستغرب له في اليوم ثلاث مرات مثل توصيات الطبيب العام لأدوية نزلات البرد، فهذا هو عين بخار المال الذي تعلق به الساعون لتقريب الفجوات بين تعاملات البشر في اقتصادهم بإقناعهم أن سوقا واحدة تكفي.
وكما تمكن الإنسان من التحكم الجزئي أو الموقت في مصاب الأنهار ومسارات البحار ودراسة ارتفاع الموج وانخفاضه، واستطاع لأمد بعيد التعامل مع الماء بهذه الحرفية باحثا عن طوق نجاة في التجمعات المائية المتلاحمة رغم حوادث الغرق وغضب الشواطئ في بعض الحالات، أظنه يستطيع أن يتحكم بشكل أكبر في المال وجمعه والمحافظة عليه وتنميته والخدمة به والخدمة له إن أمسكت يداه فعلا بهذا المال معوضا خسارته المحتملة بكثير من الصبر والمحاولات الجادة.
في حين أن الحال اليوم ابتعد كثيرا وبمسافات شاسعة عن حقيقة ما يسمى مالا واتجهت الأنظار والتعاملات لمخلوقات عجيبة أشبه ما تكون بالكائنات الضوئية أو الاختراعية في (أفلام) الخيال العلمي، وصارت (البورصات) والأسواق عبارة عن مدلولات وأدلة على قيمة مالية يقسم الممسكون ببرامجها أنها أرصدة مالية وثروة يتنافس فيها المتنافسون الحيارى، وكأن القوم اجتمعوا لصنم أو راهب عينه أبو المال حارسا على باب بيته ولهذا المشهد مترجم أو ناقل حديث خاص يخبر المريدين يوميا بأحوال حظوظهم وأرصدتهم ومقادير أسهمهم، وهم يصدقونه مرغمين وينصرفون ما بين راض ومحظوظ وساخط مقهور غاب نجمه وانخفض قدحه..والميزة المستحثة لهذا السباق المحموم في مضمار الأوهام وبخار المال هي أن الضباب كثيف يحجب الرؤية فلا عين ترى أو تشهد، والرطوبة عالية ومزعجة تدعو كثيرا ممن نفذ صبرهم للانصراف قبل الاطلاع على حقوقهم ومن غاب غاب سهمه، وزيادة الحرارة في إذكاء نار المنافسة تنتج بخارا أكثر كثافة يتعود عليه الجمع المنتظر حتى إذا جاءت ساعة الحسم وأطفئ التنور شعر أصحاب الأرصدة بانهيار تهيأت نفسياتهم مسبقا لقبوله والاقتناع به، فلا مال ولا هم يحزنون.
وعما قريب ستنقشع السحب التي اجتمعت في سماء مصادر الرزق ليرى البصير أن الأيام ضاعت في حمام بخار مال طال أمده وما هو بعارض ممطره إلا أن يشاء الله وتختفي الحياة الائتمانية.
بُخار المال
محمد أحمد بابا4 دقائق للقراءة

حجم الخط
