ولد أحمد أمين في أسرة تنتمي إلى الطبقة الوسطى المتعلمة، وعرف الثقافة الأزهرية القديمة منذ نعومة أظفاره، فأبوه عالم أزهري، انقطع للدرس والقراءة ونسخ المخطوطات، أما أحمد أمين فقد اعتاد في صباه وشبابه لونا من ألوان الثقافة لا يكاد يبرحه، وهو الثقافة الأزهرية وما يدور في فلكها من كتب الفقه والنحو واللغة والبلاغة، فالمظنون أن ذلك الفتى سيختلف إلى الأزهر، ورجا أبوه له أن يكون عالما أزهريا، فلم يكن لأبناء الطبقة الوسطى في مصر آنئذ فرصة لأن يختار أبناؤها سبيلهم في العلم والمعرفة بعيدا من الأزهر وتقاليده القديمة المقاومة للتغيير.
ليس من شأن هذه المقالة أن تتوسع في حياة أحمد أمين العلمية، فمحل ذلك سيرته الذاتية «حياتي»، وفيها نظهر على حياة مفكر عربي نهضوي كابد ألوانا من الثقافة القديمة، في الأزهر أولا، وفي مدرسة القضاء الشرعي أخيرا، وأنبأ الصدر الأول من حياته عن تقلبه بين ثقافة عتيدة استولت على كل حياته، وثقافة حديثة اتصل بها شيئا ما، حتى إذا آمن بها كان له فيها نصيب واسع، قرأنا آثاره بينة فيما تحدر إلينا من تراث هذا المفكر النهضوي.
يروي لنا أحمد أمين أن حياته في بيت أسرته كانت جدا كلها، تغلب عليها الجهامة والقسوة والجفاف، وغار شيء كبير من ذلك في وجدانه، ولمس من نفسه ميلا إلى العزلة والانطواء، في حياة لا تعرف لهوا، ولو كان بريئا، وليس لها أن تعدو خارج حدود الحارة التي كانت هي كل حياته، وكلما مضينا في سيرته شابًّا تكشفت لنا شخصية ذلك المثقف، يقبل على ثقافة أزهرية لا يكاد يسيغها، ويميل إلى ثقافة جديدة، أخذ يظهر عليها حين اتصل بجمهرة من المثقفين المصريين والمستشرقين، لكن هذا المثقف الذي قاد هو ورفقاء له، الثقافة العربية نحو التجديد والنهضة، يخبرنا أن ثقافته لم تفسح له إلا معرفة بالكتب والمؤلفين، أما وجدانه فكان جافا جافيا، حتى إنه ليروي لنا عجب مدرّسته الإنجليزية حين وجدت فيه شابا جادا لا يستهويه الفن ولا الجمال، لا يلتفت إلى ورد في إناء ولا لوحة في جدار، فكانت تذكره حينا بعد حين أن لا ينسى أنه شاب، وكأن أحمد أمين أراد أن ينهي إلينا أن لا قيمة للثقافة ما لم تعمر الوجدان وتروه، وأن الثقافة ليست كتبا تحشى بها أدمغتنا، فتحولنا، إذا انصرفنا عن سواها، إلى «إرشيف» تتكدس فيه المعلومات، فيقع في ظن صاحبها أن «الثقافة» هي، ما كان عليه، ولا أحسب أن جمهرة كبيرة منا تختلف عن أحمد أمين، فحياتنا «جافة»، غاض فيها الوجدان، وذوى فيها معنى الجمال، حين قصرنا «الثقافة» على كتاب نقرؤه، ومقال ندبّجه.