تابعت باهتمام كبير خطاب نتنياهو أمام أعضاء الكونجرس الأمريكي رغما عن أنف ساكن البيت الأبيض في سابقة ملفتة على صعيد العلاقات الدولية، وربما تكون المرة الأولى التي يتحدث فيها رئيس وزراء دولة (ما) أمام الكونجرس رغما عن الرئيس الأمريكي في تحد ظاهر لمعسكر الرئيس وحزبه الديمقراطي.
كل ذلك كنت أراه طبيعيا في ظل ملل الناخب الأمريكي ودافع الضرائب من ممالأة النخبة الأمريكية لإسرائيل على حساب الأمن القومي الأمريكي، وربما كان خطاب نتنياهو محاولة منه لكسب عطف وتأييد الطبقة الوسطى الأمريكية لإسرائيل التي بدأت تعتبر إسرائيل عبئا اقتصاديا وسياسيا وعسكريا عليها، إلا أنه جاء بنتائج عكسية حتى الآن.
وكذلك كنت أعي تماما أهمية حديث نتنياهو عن الخطر النووي الإيراني وخطورته على دول المنطقة وقد انصب جل خطابه عن النووي الإيراني وخطره ليس على إسرائيل فقط بل حتى على العالم كله، وكان شديد الوضوح عندما قال: (لقد استولت إيران على أربع دول عربية وهي تحت العقوبات الدولية، فعلى كم دولة ستستولي إيران عندما يتم رفع العقوبات عنها ويتعافى اقتصادها.
.
.
إن الاتفاق السيئ هو أسوأ ما يمكن أن نفعله مع إيران، وقد أثبتت إيران دائما وأبدا أنه لا يمكن الوثوق بها).
إن (الهاجس الإيراني) كان واضحا على نتنياهو وخطابه فقد تحدث في أكثر من 90% من خطابه عن الخطر الإيراني ودعا الغرب إلى عدم الاغترار بحرب إيران على داعش وقال إشارة إلى ذلك: إن عدو عدوك هو عدوك أيضا.
وكنت أعي كذلك محاولة نتنياهو تحميل الفلسطينيين والسلطة الفلسطينية فشل الجهود الدولية الرامية للسلام في المنطقة، واجتراره الكلام عن رغبة إسرائيل في تحقيق السلام وتضحياتها الكبيرة من أجل القبول بحل الدولتين، وتأكيده الاستعداد للتوقيع على اتفاق سلام مع الفلسطينيين والعرب بمجرد قبولهم بيهودية دولة إسرائيل، غير أني لم أفهم معنى (يهودية الدولة) التي يريد منا نتنياهو أن نعترف بها! وحتى لا نفهم كلامه في غير سياقه أريد منه أن يشرح لنا نحن العرب معنى (يهودية الدولة التي يريد) وأثر ذلك على عرب الداخل الفلسطيني وعلى دول المنطقة!
كل ذلك كان طبيعيا غير أن المثير للاستغراب بالنسبة لي حالة التصفيق المستمر والوقوف المتكرر وبشكل سمج أحيانا من قبل أعضاء مجلس الكونجرس وكلهم تجاوزت أعمارهم حد الكهولة، يقفون له عندما يتلعثم وعندما لا يتلعثم، يقفون ويصفقون بحرارة شديدة وكأنك أمام مباراة رياضية وقد أحرز اللاعب هدف الفوز في مشهد معيب بحق الكونجرس الأمريكي أهم مجالس العالم لأقوى دول العالم، ذكرني ذلك بمشهد التصفيق الحار والوقوف المتكرر لأعضاء مجلس الشعب السوري عندما يخطب بهم الرئيس، كنت أراه مشهدا معيبا بحق سوريا وشعبها.
إن مدة الخطاب كانت 39 دقيقة بلغت عدد التصفيقات فيه قرابة 44 تصفيقا ووقوفا، ما يعني أكثر من تصفيق في كل دقيقة، لم أتخيل يوما أن يهبط مستوى البرلمان الأهم عالميا وديمقراطيا، برلمان الدولة الأقوى إلى درك الدول المتخلفة وإلى مصاف دول العالم الثالث، إلى هذه السذاجة والخفة والهوان.
.
كل ذلك لعيون إسرائيل!
قبل هذا المشهد كنت أنظر باحترام كبير لمجلسي الكونجرس والنواب الأمريكيين وكنت أتمنى أن يرتقي مجلس الشعب السوري إلى مستوى مجلس الشيوخ الأمريكي شكلا ومضمونا وآليات للوصول إلى كراسي المجلس.
غير أن الذي حدث يشير إلى نذر خراب قادم على دول المنطقة.
إن حالة النكوص العقلي التي شاهدتها بالأمس في مجلس الشيوخ الأمريكي تشي بالكثير من المخاطر، فالحروب عادة لا تحدث إلا عندما يغيب العقل وتنجرّ الجماهير نحو العاطفة، ويغذّي الانتهازيون هذه العاطفة دينيا أو عنصريا أو إثنيا أو اقتصاديا كل ذلك يجر الجماهير نحو المعركة بالوعي أو باللاوعي.
وعقول الدول هي مجالسها -الشعب والنواب والشيوخ- فإذا وصلت الأمور في عقول هذه الدول إلى هذا المستوى من الاحتراب، وانجر عقلاء الكونجرس الأمريكي نحو نتنياهو بهذه الصورة المهينة فإن ذلك يدل بوضوح على مدى الاستقطاب الحاصل اليوم في أنحاء العالم كله حتى في الداخل الأمريكي، وليس الأوروبي عنه ببعيد!
وأكبر خطر على دول العالم أن تفقد القوة الأعظم عقلها وتنجر خلف عواطفها وانتماءاتها الدينية أو العرقية أو الاثنية أو الاقتصادية، ويبدو أن الأمور تسير في هذا الاتجاه وإلى مزيد من التأزم الإقليمي والدولي.
وأن العالم يتخلى شيئا فشيئا عن عقله وحكمته، من أجل ذلك قال نتنياهو في بداية خطابه: (الرجل الجيد يظل واقفا)، فقد حان وقت المعركة.
نتنياهو ومجلس الشعب السوري
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
