منذ أن وافق مجلس الوزراء في يوليو 2014 لصندوق الاستثمارات العامة بتأسيس شركات -داخل المملكة أو خارجها - بمفرده أو بمشاركة الغير من القطاعين العام أو الخاص، بما في ذلك المشاركة مع أي منهما في الشركات القائمة، بدأت مؤشرات تغيير في استراتيجية الصندوق كصندوق استثماري مواز للاحتياطيات الحكومية التي تديرها مؤسسة النقد العربي السعودية «ساما»، وقد يتحول مستقبلاً للصندوق السيادي السعودي بعد أن منح مرونة أكبر وتوسيع نشاطه الاستثماري في الداخل والخارج.
بوادر التغيير في سياسة الصندوق الاستثمارية ـ الذي يسمى الذراع الاستثمارية لوزارة المالية - تتضح بتوقيع صندوق الاستثمارات العامة اتفاقا مع شركة بوسكو الدولية للبناء والتشييد بكوريا الجنوبية، تشير التسريبات التي أعلنت عنها وكالة بلومبيرج إلى أن النسبة التي سيسطر عليها الصندوق بحدود 40% من حصة الوحدة الهندسية تبلغ قيمتها (850) مليون دولار (3.19) مليارات ريال استنادا على القيمة السوقية للوحدة، وهذا الاستثمار سيؤهل المملكة للدخول في مجال صناعة السيارات، التي تستهدف السعودية توطينها في مساع لتنويع مواردها الاقتصادية التي ظلت تحت رحمة تقلبات أسعار النفط طوال 77 عاما منذ اكتشاف أول بئر للنفط في 3 مارس 1938.
وبغض النظر عن حجم هذه الصفقة أو نسبتها، لكنها تعد خطوة جريئة وجيدة لصندوق كانت كل استثماراته محلية، كما أنه مقدمة لمشاريع صناعية مشتركة ضخمة للصندوق وعد بها أمين عام الصندوق عبدالرحمن المفضي في أكتوبر 2014 في لقاء مع الصناعيين في مجلس الغرف السعودية، قال فيه إن الصندوق ـ الذي تولى أمانته خلفاً لمنصور الميمان ـ سيركز على جلب الشركات الأجنبية للاستفادة من خبراتها، ونقل التقنية وتوفير فرص وظيفية للشباب السعودي، وأن هناك مشاريع صناعية مشتركة ضخمة للصندوق سترى النور قريبا.
وبما أن أول مشاريع الصندوق بدأت تظهر للنور، واتجهت بوصلته الاستثمارية نحو الخارج، والمتوقع منه مستقبلا أكبر من ذلك، يمكن القول إن الصندوق ـ حتى وإن لم يعلن بصورة رسمية ـ بدأ يمارس دور الصندوق السيادي بمعناه الشامل والمتعدد المتعارف عليه، وبصورة مغايرة جداً عن استثمارات صندوق الاحتياطيات العامة (المسمى مجازا بالصندوق السيادي)، الذي تتركز في سندات الخزانة الأمريكية بفوائد ثابتة.
ودخول الصندوق في استثمارات خارجية تنقل التقنية والمعرفة للمملكة، شرط أساسي لتنويع دخله، وخطوة أساسية، وهدف استراتيجي يجب أن يعمل الصندوق عليه لتحويل المملكة لدولة صناعية متنوعة الموارد، لا سيما أن آلية عمل واستثمارات صندوق الاحتياطيات العامة المستثمرة في سندات الخزانة، وإن كانت قد تجلب المال، ولكنها لن تجلب التقنية والمعرفة، ولن تبني دولة صناعية تعتمد على نفسها في تدبير موارده بعيداً عن النفط.
ومن وجهة نظري الشخصية، أعتقد أن صندوق الاستثمارات العامة قادر على دعم الحركة الاقتصادية والصناعية بشكل أفضل، وأن يكون له دور أكبر من الدور التقليدي الذي يمارسه حالياً شريطة أن يتخلى عن الطريق التقليدية، والنهج البيروقراطي في الإدارة والاستثمار، كما أن خروجه من عباءة وزارة المالية، وأخذه الشكل القانوني المناسب الذي يمكنه من القيام بدوره كمنشأة استثمارية مستقلة، تلتزم بمبادئ الشفافية والعلنية وحوكمة الشركات ومراجعة الحسابات يضمن له النجاح والتنوع، والتحرر من عقبات الفكر التقليدي المتحفظ الذي جعله من مؤسسة الظل.
لا شك أن نجاح الصندوق السابق في دعم وتمويل صناعة البتروكيماويات، وقطاع تكرير البترول، (إضافة إلى تمويل خط نقل البترول، والغاز من بقيق إلى ينبع)، والمساهمة نيابة عن الحكومة في الشركات التي ساهمت بها على المستويات المحلية، والثنائية، الشركات العربية المشتركة، يجعل التفاؤل كبيرا في الدور المستقبلي الذي يمكنه أن يلعبه كصندوق سيادي في حال أسندت له إدارة الاحتياطيات النقدية الحكومية الكبيرة، واستفاد من قرار مجلس الوزراء بشكل صحيح وفعال في تأسيس شركات عملاقة داخل المملكة أو خارجها سواء كان ذلك بمفرده أو بمشاركة القطاعين العام أو الخاص، وأن يعتمد على الميزة النسبية لكل منطقة من مناطق المملكة في توزيعه هذه المشاريع، وأن يعمد إلى توظيف كفاءة مؤهلة محترفة لإدارة هذه الاستثمارات، ويبتعد عن الحذر المبالغ فيه الذي يعوق النجاح، ويضيع كثيراً من الفرص الاقتصادية التي تتطلب ديناميكية وسرعة تفاعل وتعاط معها.
الاستثمارات العامة.. ودور الصندوق السيادي
محمد العوفي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
