تركيا: لماذا غامرت جماعة غولان على هذا النحو

تواصل النخب التركية نقاش وتحليل أسباب وتفاصيل حادثة 17 ديسمبر الماضي، عندما تحركت مجموعات من رجال الشرطة والقضاء لتنفيذ عمليات دهم وتوقيف لعشرات الأشخاص المحسوبين على حكومة حزب العدالة والتنمية، أعقبه "انفجار علني" في العلاقات بين شريكي الأمس رجب طيب إردوغان وحركة فتح الله غولان الإسلامية.
ويرى عدد من المفكرين الأتراك أن النقاش يتمركز هذه المرة حول الأسباب التي قد تدفع "الجماعة" كما تسمى في تركيا لإقحام نفسها في مغامرة خطيرة ومصيرية من هذا النوع، بعدما كانت طيلة السنوات العشر الماضية تعيش مرحلة "العقد الذهبي" نتيجة توسعها وانتشارها داخل تركيا وخارجها، بدعم علني من رئيس الوزراء رجب طيب إردوغان وحزبه.
وتقول قيادات حركة فتح الله غولان إن ما يجري "مجرد ردود أفعال على تزايد عمليات الفساد والاختلاس من قبل المحيطين بإردوغان". ولكن في المقابل هناك فريق آخر يرى أن حركة غولان وبتشجيع من بعض القوى الداخلية والخارجية "وجدت الفرصة المناسبة لإسقاط إردوغان وإبعاده عن السلطة" بعدما شعرت بتزايد نفوذها وحجم انتشارها وتمركزها التجاري والمالي والتنظيمي.
فريق ثالث يرى أن الأزمة ما هي إلا "فخ نصب لتركيا لضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، يبعد إردوغان عن الحكم، ويضعف الجماعة وتتم عملية إعادة تركيا إلى ما كانت عليه في مطلع الألفين من أزمات حكومية ومالية وأمنية".
ويقول الباحث والمفكر التركي حاتم أتا "علينا أن نقبل حقيقة مهمة قبل الدخول في حوار من هذا النوع وهي أن تعريف الجماعة في تركيا قد تغير.. هل هي جماعة دينية تبحث عن مكان لنفسها بين المتدينين والمواطنين الأتراك كبقية الحركات الدينية". ويضيف "لا أظن ذلك فمن يقود الجماعة في تركيا اليوم كما يبدو لي ليس رجال الدين بل رجال أعمال ومصالح كتاب ومثقفين يقيمون علاقات متينة مع الغرب".
ويطرح الكاتب مصطفى قره علي أوغلو في جريدة "ستار" جملة من التساؤلات حول ما الذي ستجنيه جماعة غولان من إسقاط حزب العدالة والتنمية: هل تضاربت مصالحها مع إردوغان، أم هل الحكومة باتت تشكل تهديدا عليها؟ هل قويت لدرجة لم تعد تهضم أن يمثلها العدالة والتنمية؟ هي في جميع الأحوال أبعد من أن تكون حركة مجتمع مدني خدمية لأننا لا نعرف أين تبدأ أهدافها وأين تنتهي اليوم؟.
ومن جانبه يرى رئيس مركز سيتا للأبحاث والدراسات طه أوزهان، أنه لا جواب محددا ونهائيا حتى الساعة على هذه التساؤلات، لكن تركيبة وبنية الحركة بدأت تحمل كثيرا من التناقضات وتضارب المصالح.. مجموعة من الرياضيين، مجموعات إعلامية وأخرى من المفكرين والمثقفين بعلاقات مميزة مع الغرب، بجانب مواقف سياسية ومصالح تجارية متداخلة ومتشابكة.. هذه هي صورة الجماعة اليوم. ويتابع "على الجماعة أن تعطي هي الجواب بنفسها على هذا السؤال قبل أن تطلب منا نحن الإجابة: ما هو هدفها؟، إلى أين تريد أن تصل؟".
ويؤكد الإعلامي في جريدة "حرييت" عصمت بيرقان على ضرورة إعادة تعريف الجماعة في تركيا هل هي حركة دينية أم حركة سياسية أم تجمع أصحاب مصالح تجارية عالمية؟ النقد الذاتي هو المطلوب اليوم من قبلهم.. فنحن نواجه مشكلة الجمع بين ما تقوله الجماعة وتعرف نفسها على أساسه وبين الواقع القائم على الأرض. ويتساءل "من الذي سيقوم بالنقد الذاتي في الجماعة، هل يكفي غولان أن يقول بدأنا التغيير، هل سيلتزم أتباعه بعد هذه الساعة بقراراتهم؟. هل هم مرتبطون بقرار الزعيم الروحي فتح الله؟. ويبقى السؤال قائما، ما نريد معرفته حولهم اليوم هو هل هم حركة خدمة كما يقولون أم جامعة أم جماعة؟.. هنالك حديث حول تكتلات داخل الجماعة لكل منها حساباتها ورؤيتها فهل ستوحدهم هذه الرؤية في المستقبل أم أن المصالح ستتضارب؟". ويتابع بيرقان "فئة تعترض لكنها لا لأنها تخاف أن توصف بالخائنة. هناك تباعد عمودي وأفقي بين المكونات لكن هناك خيطا يوحدهم حتى الآن".
ويرى كثير من الباحثين أن مشكلة العدالة والتنمية تكمن في حاجته إلى كوادر متخصصة تمثله ويثق بها. ويقول الباحث طه أوزهان في تشخيصه لما جرى قبل شهر ونصف "مهما قالوا إن لا علاقة لهم بما جرى في موضوع 17 ديسمبر عليهم قبول أنهم جزء من العملية.. لا يمكن إخفاء ذلك أو إنكاره لا حاجة لاستغباء أحد كلنا نتابع ما يجري يوميا. المسألة بدأت في ٧ فبراير مع استهداف هاقان فيدان رئيس جهاز المخابرات في محاولة لاعتقاله بتهمة الحوار مع حزب العمال الكردستاني. فشلوا في ذلك وتحولوا إلى 17 ديسمبر. هذا التاريخ وأسلوب العملية أظهر لنا أن الحكومة اكتشفت متأخرة عملية استهدافها بهذا الشكل وبهذه الطريقة. فوجئت بحجم الاستعداد والإصرار على إسقاطها".
ويرى حاتم أتا أن "صيد الساحرات الذي تريده الحكومة الآن يبدأ مع تغيير جذري في الجهاز القضائي وإلغاء المحاكم الخاصة، إردوغان في أواخر التسعينات غامر وتحدى وبعد ذلك لحقته الجماهير.. هذه المرة أيضا سينجح في فعل ذلك".
أما الكاتب الإسلامي في جريدة "عقيد" عبدالرحمن ديلياك فيقول "إن مشروع الجماعة كان إسقاط الحكومة في هذا الشهر تماما بعد توجيه ضربات محكمة للعدالة والتنمية وإرجاء موعد الانتخابات المحلية من أواخر مارس إلى أواخر يونيو المقبل، والتكتل والاصطفاف وراء حزب سياسي موجود ظنوا أنه قد يكون حزب الوحدة الكبرى اليميني القومي الإسلامي، لكن قيادات هذا الحزب أذكى من ذلك، وستقطع الطريق على أي مشروع من هذا النوع".
ويصر الكاتب والمفكر الإسلامي أحمد تأشير غتيران على أن الدولة الموازية بكل عناصرها وتمركزها ومشروعها السياسي "إذا لم يتم تصفيتها داخل مؤسسات الدولة فلن تحسم المسألة وسيبقى هذا التهديد في المستقبل ليس على العدالة والتنمية وحده بل على أي حكومة أو حزب سياسي يصل إلى السلطة ويكون تحت تأثير ورحمة الجماعة".
وتتابع تركيا الآن ما يقوله أحد أهم قيادات حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل جميل بييق الذي يؤكد أن أكراد تركيا "يملكون اليوم فرصة ذهبية لا تعوض للتحرك مستفيدين من هذا الفراغ وهذه المواجهة بين إردوغان وغولان لكنهم لن يفعلوا ذلك للتأكيد على التزامهم بتركيا، وأنهم جزء من هذه الجغرافيا". ويتابع "نحن نعرف أن الجماعة تريد قطع الطريق على مسار الملف الكردي الجديد الذي أطلقته حكومة العدالة والتنمية منذ عام، وهي تحركت للرد بتاريخ 7 فبراير الماضي، لذلك ردة فعلنا الآن ستكون ضد الجماعة وما تفعله وتخطط له ولن تكون أبدا ضد حكومة إردوغان".
