هذه القضية أصبحت محلَّ السجال والجدال هذه الأيام، وإذا استبدَّت العاطفة، وحضر الاصطفاف؛ غابت الحقائق، واضطربت المفاهيم. ومن حقِّ الشباب الصادق أن نقتطع لهم من هدوئنا واهتمامنا، وأوقاتِنا وجهودنا، ما يليق بهم. ونحاورهم بعلمٍ وحب، ونحاول في إقناعهم بالتي هي أحسن. هذا الشباب الصادق المهموم على أمته، والذي يفكر في الذهاب إلى سوريا أو غيرها نصرةً لإخوانه، أهم من كل المعارك الإعلامية. ويستحق منا الكثير في فهمه والقرب منه، واستثمار طاقته فيما هو أنفع وأفضل.
لماذا يذهب الشباب إلى سوريا؟ ومن المسؤول عن تحريضهم؟ تلك أسئلة مهمة، ربما يكون لها حديث خاص فيما بعدُ بإذن الله. أما سؤال هذا المقال فهو: هل الأفضل ذهاب الشباب إلى سوريا؟
وهنا يجب التفريق الواضح بين ثلاثة أمور: الأمر الأول: عن أصل الجهاد في سبيل الله، وفضلِه ومكانتِه في الإسلام. وهذا الأمر شريعةٌ وشعيرة، أقوى وأبقى من كل الخصوم والأعداء.
الأمر الثاني: في الحكم على واقعٍ معين، في زمانٍ معين، بأنه من الجهاد في سبيل الله. فهذا من تحقيق المناط، وهو محل اجتهاد. فربما اختلف بعض العلماء في الحكم على حال معين، هل هو جهاد شرعي أو لا؟ وفي خصوص القضية السورية، فإن عامة العلماء يرون أن الدفاع عن النفس والعرض والأرض، أمام عدوان النظام النصيري وبطشه، جهادٌ شرعي بإذن الله. وقد أسرف هذا النظام المجرم في بطشه وبغيه وظلمه، وارتكب من الفظائع ما يشيب لها الولدان، والله المستعان.
الأمر الثالث: بعد التأكيد على شرعية الجهاد في سبيل الله، وبعد التأكيد على أن ما يعمله السوريون أمام عدوان النظام النصيري جهاد مشروع، يأتي السؤال عن واجب المسلم خارج سوريا، ولماذا لا يذهب لمساعدة إخوانه المظلومين؟
أما نصرتهم فواجبة، ولكن بما ينفعهم ولا يضرهم. وذهاب الشباب إلى هناك يضر القضية السورية أكثر مما ينفعها بشهادة أهلها المخلصين لها. فإن الشباب الذين يتوافدون من خارج سوريا، يستغلهم النظام النصيري في المحافل العالمية، باعتباره يواجه الإرهاب وليس الشعب السوري. وهذا يمنحه عمرا جديدا، ويعطيه مساحة أخرى من الحركة والتحالفات. ثم إن هؤلاء الشباب يأتون من بيئات مختلفة، ليس معهم إلا العاطفة الصادقة، فيحصل باجتماعهم هناك من الاختلاف في وجهات النظر، وتحديد الأولويات، وطريقة التعامل مع القوى العالمية، ما يكون سببًا كافيًا في التنازع، ويصل هذا التنازع إلى حد القتال والدماء. وفي هذه الأثناء يكون النظام النصيري قد أخذ فرصة كافية لأن يرتب أوراقه من جديد، ويستعيد ما فقده من أسباب القوة والغلبة. وواقع القضية السورية اليوم يُعطي دروسًا كافية لمن تأمل وتفكر. هل خرج الشاب الذي وصل إلى سوريا، ليدافع عن المظلومين ويساعدهم ضد النظام النصيري، أم خرج ليوجِّهَ سلاحه لأخيه الآخر الذي لا يقل عنه صدقًا ونصرة؟! وأيًّا كان القاتل هنا والمقتول، والغالب والمغلوب، فإن الأمر الواضح هنا أن الهدف الأسمى في ذهابه إلى سوريا قد غاب وتأخر. ولم يعد خافيا أن أعداء الشعب السوري لا يجدون صعوبة في إيقاد الفتنة وتمويلها بين هؤلاء المتنازعين.
إنه لا توجد حاجة للرجال، بل مجيء الرجال يضر القضية ويُربك سيرها، فهل نتردد بعد ذلك أنه لا ينبغي ذهاب الشباب إلى سوريا. والنيةُ الصادقة لا تكفي وحدها في تصحيح العمل والثناء عليه. إن الإضرار بالجهاد لا يجوز ولو كان بنية طيبة، والتضحية وحدها لا تكفي للثناء على العمل وتزكيته.
إن نصرةَ السوريين المظلومين واجبة، ونصرتُهم تكون بما ينفعهم ولا يضرهم، أما الذهاب بالنفس إلى هناك فإنه وقودٌ للتنازع، وفرصةٌ للنظام في كسب الحلفاء، وإطالة المعاناة على إخواننا السوريين.
ونسأل الله أن يرفع الضر والكرب عن إخواننا في كل مكان، وأن يقر عيوننا بالنصرة والفرج.