تمثل زيارة رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف للمملكة العربية السعودية ولقاءه بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز بعدا جديدا وإضافة كبيرة في التحرك السعودي على المستوى العربي والإقليمي خلال الأسبوعين الأخيرين.
فلقد بدأت بزيارات من ملوك وأمراء وشيوخ دول مجلس التعاون لدول الخليجي العربي، ثم زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي فالرئيس التركي رجب طيب أوردغان.
لا يمكن اعتبار هذه الزيارات محض صدفة فما تشهده المنطقة من تطورات يجعلنا نقرأ هذه الزيارات في هذا السياق.
تمثل العلاقات السعودية الباكستانية، على كافة الأصعدة، ثقلاً إسلامياً وإقليمياً كبيراً، ولعل تميز هذه العلاقة بين البلدين الإسلاميين يثير اهتمام بعض دول المنطقة التي لا ترغب في وجود هكذا علاقة خاصة إذا علمنا أن تلك الدول تسعى إلى أن تكون لها اليد الطولى في تقرير مصير سياسة المنطقة وتوجهاتها والهيمنة عليها.
تأتي إيران على رأس قائمة هذه الدول.
فإيران تتوجس كثيراً من التحالفات التي لا تكون لها دوراً أو تواجداً فعّالاً بها.
لذا فإنه من نافلة القول الإشارة إلى أن إيران تسعى للحيلولة دون أي تحالفات تهمش أو تحجم دورها الإقليمي.
من هنا تخشى إيران التحالف السعودي الباكستاني من عدة أوجه.
إن باكستان سوف تصبح بوابة للنفوذ السعودي إلى دول آسيا الوسطى التي تنظر إليها طهران بمثابة الباحة الخلفية لها، فتلك الدول التي أعلنت استقلالها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي قريبة من إيران ثقافياً وتاريخياً وتختلف عنها من الناحية العرقية (توركك) والمذهبية.
بعبارة أخرى، هناك أواصر ثقافية وتاريخية تربط تلك الدول بإيران وبعضها يتحدث اللغة الفارسية (طاجيكستان) إلا أنها من الناحية المذهبية أكثر قربا لباكستان والمملكة العربية السعودية حيث أن 90% من شعوب تلك الدول (ما عدا أذربيجان) من أتباع المذهب السني وينظرون في بعض تلك الدول بعين الريبة والحذر تجاه النفوذ الإيراني في المنطقة.
علاوة على ذلك، تستطيع السعودية خلق ثقل اقتصادي وتجاري ضخم في تلك الدول من خلال الاستثمار في مشاريع تنموية وسياحية وصناعية في تلك الدول مما قد يؤثر على النفوذ الإيراني في تلك الدول.
من جانب آخر، تمتلك باكستان قوة بشرية وعسكرية هائلة ونجحت في الدخول إلى النادي النووي، ودائما ما يروج الإعلام الإيراني لمخاوفه من حصول السعودية على هذا السلاح من باكستان.
ذلك يجعل التحالف السعودي الباكستاني شبحا تخشاه طهران خاصة وأن الباكستان تمتلك حدود طويلة مع إيران وبالتالي ترى أن النفوذ السعودي سيكون على حدودها الشرقية وهي منطقة تشكل تحديات أمنية وسياسية كبيرة للحكومة المركزية في طهران، الأمر الذي يجعل النظام الإيراني يعتقد بأن السعودية قد تغير من استراتيجياتها وتعامل إيران بالمثل إن لم تتوقف طهران عن التدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج.
لا تُخفي إيران توجسها الدائم من أي تحالف بين الرياض وإسلام أباد وغالباً ما تبدى امتعاضها من أي موقف باكستاني داعم لدول الخليج.
فعلى سبيل المثال، أعربت إيران عن عدم رضاها عن موقف الباكستان من قيام وزيرة الدولة للشؤون الخارجية بجمهورية باكستان الإسلامية حنا رباني بزيارتين للرياض في عامي 2011 و 2013م، والتقت بمسئولين سعوديين رفيعي المستوى، كما التقت بشخصيات كبيرة بدول خليجية أخرى من ضمنها مملكة البحرين، تحدثت بعد ذلك عن تقارب كبير في وجهات النظر الخليجية الباكستانية حيال ما يدور في المنطقة، خاصة أحداث البحرين ودعمها للحكومة البحرينية وتأييدها لتدخل قوات درع الجزيرة لحفظ الأمن في تلك الدولة، وكذلك إعراب الحكومة الباكستانية سابقاَ عن استعدادها التام لتنمية التعاون الأمني مع دول الخليج العربية من أجل ضمان الاستقرار الأمني في المنطقة.
ومن جهة أخرى، تحاول إيران إيجاد بيئة عدائية على المستوى الشعبي الباكستاني ضد السعودية من خلال تحريك بعض الجماعات المقربة من طهران في الداخل الباكستاني لإقامة مسيرات مناهضة للسعودية.
ومن ذلك أيضاً العمل على تأسيس مجموعات موالية لها في الداخل يمكن أن يطلق ذلك "حزب الله الباكستاني" تهدف إلى ممارسة ضغوط سياسية وأمنية على حكومة إسلام أباد خاصة فيما يتعلق بعلاقتها مع دول الخليج ومواقفها الداعمة للقضايا العربية وكذلك بسبب النفوذ الباكستاني في أفغانستان بينما ترغب طهران بالهيمنة سياسياً واقتصادياً على كابول.
الواقع أن إيران لا ترغب في هكذا تعاون وعلاقة متينة خاصة عندما تكون العلاقة الخليجية مع دولة نووية بحجم الباكستان، وهذا أمر يزعج الحكومة الإيرانية التي ترى في نفسها القوة الإقليمية الوحيدة وبالتالي لا تود في أي تكتلات سياسية لدول الخليج مع أي جهات إقليمية وبالذات جارتها من الجهة الشرقية حيث عانت إيران كثيراً من المناطق الحدودية مع تلك الدولة من خلال الحراك السياسي والأمني في بلوشستان.
إن الظروف السياسية والتغيرات التي تشهدها المنطقة تستوجب على دول الخليج العربي والمملكة العربية السعودية تحديداً بذل المزيد من العمل على توثيق العلاقة وتوطيدها بشكل أكبر مع الباكستان ودول آسيا الوسطى.
لقد شهدت المنطقة العربية خلال السنوات القليلة الماضية تمدداً إيرانياً مما فتح شهية طهران للمزيد من التوسع الإقليمي.
إن العمل الدبلوماسي والسياسي واستثمار القوة الناعمة في مناطق المصالح الإيرانية في الباكستان ودول آسيا الوسطى سيساهم بشكل كبير على إرغام إيران على الانكفاء إلى الداخل والتحول من موقع الهجوم إلى الدفاع عن مناطق نفوذها في تلك المنطقة.
إيران والتحالف السعودي الباكستاني
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
