لا أعرف سبباً يجعلني أقلب الورقة الموجودة في إحدى سلال الإهمال لأجد مكتوباً عليها (يتم إتلافها لعدم وجود أحد يستمع)، وموقعة باسم يبدو غريباً بعض الشيء
حجم الألم الذي يتركه التجاهل ربما أكثر من ألم الواقع المرّ للجهة المعنيّة بفحوى الرسالة
وهذه الرسالة تحديداً لا يمكن الوقوف عند ظروفها وملابساتها، ولا الشخصيّ فيها من العمومي، إذ يبدو اتخاذ موقف محدد في غاية الصعوبة، والفصل بين ما قيل فيها وبين هوية المواطن الذي رمز لنفسه بالحرف (قاف) مكتوباً هكذا هو الآخر في غاية الصعوبة، وحتى نقلها لن يجدي، وربما اختصارها سيفقدها بعض أهميتها ومرارتها
المواطن (قاف) وجّه رسالته إلى (وزارة الصحة)، وحين انتهيت من قراءتها وصلت إلى النتيجة التي وضعتني بين قوسين لا أستطيع أن أميل إلى أحدهما، ولا أن أخرج منهما
وهذا نص الرسالة كاملاً:السيدة (وزارة الصحة) تحية طيبة وبعد
أنا المواطن (قاف)، هكذا دون ألقاب، أعيتني الحيلة إلى درجة أنني سأستعير بطاقة تأمين أحد أولاد عمي العاملين في أحد البنوك لأعالج بها لأسباب سيتم شرحها، أما ابن عمي فأعتقد أن ملفه التأميني سيمتلئ بالأمراض، وهو رجل كريم بالمناسبة، ولا يهمّه أطلق شنب!لجوئي إلى ملف ولد العمّ مردّه ما نحن فيه من ويلات الصحة، مع اعتذاري طبعاً لك ـ سيدتي الوزارة ـ فلا نحن مع (المعز ولا مع الضأن)، أي ـ يا سيدتي الكريمة ـ أننا ضعنا بين العلاج الحكومي والعلاج الأهلي باختصار
هل تعرفين ـ سيدتي الوزارة ـ كم المدّة التي نستغرقها أو نغرق فيها أو تغرقنا، لكي نحصل على موعد طبيب في مرض يحتاج إلى علاج عاجل؟إذا كنتِ لا تعرفين ـ سيدتي الوزارة ـ ليخرج (أطلق) موظف إلى الشارع عند باب الوزارة ويسأل عابر طريق عن مواعيده كم تستغرق، لأن كل إجاباتنا واحدة، وهنا نحمد الله أننا اتفقنا أخيراً على بعض الأمور، نحن كمواطنين طيبين
أما المساكين منّا فيحتاجون إلى عشرات التدخلات لكي يفتح أحدهم ملفاً في أي مستشفى والسلام، حتى لو مستشفى الأمراض الصدرية، رغم أن رئتيه أنظف من جيبي
صحيح أن بعضنا يريد أن (يشخّص)، لأن ملفه في المستشفى الفلاني (يعود إنه) طبقي، لكن لا يهمّ، لأن معظمنا ليسوا كذلك، رغم أنني لا أعرف معناها فعلاً، مثلما لا أعرف كم عدد المواطنين غير القادرين على فتح ملفات، أو كم عدد الملفات المفتوحة بالواسطة، أو عدد الأمراض والمرضى، أو ماذا يحدث في البرازيل، لأنني ببساطة مواطن بسيط
إذن أمام هذه الحالة أصبحنا نبحث عن حلول، لكن حلولنا أصبحت في مواجهة (حيتان) المستشفيات الأهلية وأهلها، كيف يا سيدتي الوزارة؟لأن الغالب على طبيعة هذه المستشفيات الاستغلال، وليسأل الموظف الذي خرج قبل قليل إلى الشارع وأشرنا إليه أنه موظفكم، ليخرج ويسأل المواطن العابر نفسه عن ذلك! كشوفات تتطلب فحوصات بأسعار سيارات (لمبورغيني) مؤمن عليها وعلى أمهاتها
صحيح يا سيدتي الوزارة؛ أنني، لا أستهزئ بأحد، معاذ الله، ولا أريد أن أجرح أحدا، لكن ما يحدث في المستشفيات الخاصة يتعب القلب ويدميه، لأنه لا يمكن أن يكون متاحاً أمام الجميع، وليس بمقدرة حتى متوسطي الدخل الوقوف أمام هذا الطوفان
فإذا كّنا كذلك أمام خدمات ومواعيد المستشفيات الحكومية، وكنّا كذلك أمام طمع المستشفيات الخاصة، وكّنا كذلك أمام المراكز الصحية التي لا تعالج سوى أمراض (أبو نعيلة)، هذا غير أشياء تم الامتناع عن ذكرها دون أسباب، فما هو الحل؟وما هي الجهة التي يفترض أن تناقش هذا المشروع؟ هناك أصوات تنادي بمجلس الشورى
وهناك أصوات سبق أن عرضت الأمر لدراسته على منظمة الصحة العالمية
وهناك لجان طبية وصحية
وهناك الوزارة بكل بُناها ومشاريعها وخبرائها
وهل يحتاج الأمر إلى كل هذه الخطط والسنوات والعقبات، ما لم يكن هناك تيار ممانعة لا أحد يعرف أطرافه حتى الآن، ولا الأسباب التي دعتهم إلى تعطيل المشروع؟ من منّا قدمه في الماء الباردة، ومن منّا قدمه في النّار، نحن أم الوزارة؟ لا أعتقد أن بعض الأحداث تخفى على الوزارة بكل تاريخها ومسؤوليها
أحداث أقرب إلى الكوارث حوّلتنا أمام حقوقنا إلى متسولين للمواعيد والأدوية والخدمات الطبية، يقابل ذلك أخطاء ترتكب دون أن نعرف من هو العدوّ ولماذا؟هل سمعتِ ـ سيدتي الوزارة ـ عن دراسات تتعلّق بالتأمين الطبي على (كل) المواطنين دون استثناء؟وهل سكتت الوزارة كل هذه السنوات عنها و(أبلشت) نفسها بتحمّل عناء الردّ على أمثالي، أيضاً كل هذه السنوات؟ هذا في حال كان أمثالي من المواطنين المعتقد بأنهم صالحون يستحقون أن تلتفت لهم الوزارة!كان الله في عون السيدة (وزارة الصحة)
ما أكثر ما تتحمله من إزعاج أمام خدماتها العظيمة التي لم يقدّرها مواطن مثلي يمدّ يده لسلة النفايات من أجل أن يضع هذه الورقة التي لن يستمع إليها أحد!
رسالة مواطن مأخوذة من سلّة نفايات
عادل حوشان4 دقائق للقراءة

حجم الخط
