منذ اليوم الذي تدرجت فيه خطى المؤرخ والخبير الاجتماعي عبدالله بالعمش إلى أعتاب العمل الإنساني، متدرجا في أكثر من منصب، ليتوجه بإدارة دار رعاية المسنين بمكة المكرمة، حيث ظل أكثر من ثماني سنوات، ما زال يختزل في ذاكرته عددا من صور الماضي، التي تتمسك بها ذاكرته دون تفريط، كونها ذخيرة تتشابك فيها قصص الزمان وعبره، ليقدمها للجيل الجديد.
بالعمش يتذكر تفاصيل سنواته الثماني كاملة، دون أن ينسى منها شيئا، بداية من الحضور المبكر عند كل صباح، وهو يجوب بخطواته ممرات الدار، يسلم على النزلاء ويحتضنهم بكلمات تخفف وحشتهم، وبابتسامته العريضة يبعث فيهم الأمل، وما أن يخلو بنفسه، إلا وتتبدل الابتسامات إلى عبوس حين يتذكر حالات نزلاء جار بهم الزمان وذوو القربى، وتمر بخاطره أسرار يعج بها المجتمع، تدعو للتعجب من تصرفات بعض البشر الذين يقابلون حنان الأبوة بقسوة، يلفظون آباءهم وأمهاتهم ليعتني بهم آخرون، حيث يحولونهم دون أن يرف لهم طرف إلى دار العجزة والمسنين.
ويقول بالعمش «لو حولنا الأشجار إلى أقلام، لن تكفي لشرح قسوة بعض الأبناء على آبائهم، لا تغيب عن خاطري دموع المسنين والمسنات التي لم تجف يوما، ولم تعرف الفرح حتى في أيام الأعياد، يشكون حالهم مما أصابهم من ويلات بطش أبنائهم، وبعضهم يسكنون منازل فارهة»، ويشير إلى أن شريحة من سكان الدار كانوا أغنياء ومن بيوت معروفة، إلا أن جور الأبناء وضعهم في هذا المكان.
ومن الأوقات الأكثر قساوة - كما يصفها بالعمش - الساعات الأولى من أيام الأعياد، فالجميع يمد بصره نحو الأبواب في ترقب لقادم يأبى أن يتنازل للحضور لمجرد التحية والسلام، وإدارة الدار تعمد إلى فتح أبواب الزيارة منذ الصباح الباكر حتى آخر النهار، لتلطيف أجواء الحزن على سكانه من خلال زيارات لبعض المحسنين والمتطوعين الذين يتذكرون هذه الشريحة في يوم الفرح، حاملين أطباق التمر والحلوي والعصيرات والهدايا، لإدخال البهجة على كبار السن كأنهم آباؤهم، لكنها تظل ساعات موقتة يعقبها الصمت الطويل.