توارت كتب محمود درويش عن المكان الذي ظهرت فيه بإحدى دور النشر بمعرض الكتاب ووضع مكانها كتب عن شارلوك هولمز وآخرين، وذلك بعد يوم واحد من نشر "مكة" تقريرا حول وجود كتب درويش بشكل واضح على الرغم من اعتبارها ممنوعة من التداول، بعد حادثة العام الماضي التي تم على إثرها الاحتساب عليها في دار رياض الريس، وكان التحدي لدينا يتمثل في إيجادها مرة أخرى.
1 - أول الرحلة
بالسؤال عنها يقول مشرف الدار إن إدارة المعرض قد سحبت الكمية الموجودة التي بلغت مئة كتاب تقريبا حيث لم يبق أي شيء منها، معلومة جعلتني أخبره أنني منزعج لهذا القرار خصوصا أنني كنت أرغب في اقتناء الأعمال الكاملة لدرويش، ولكن هذا الموقف جعله يعيد النظر في دقة المعلومة التي ذكرها، ليخبرني – بعد أن اعتبرني مصدر ثقة لوهلة - أنني إذا كنت أريد الأعمال الكاملة فإنه بإمكاني الحصول عليها بسعر 130 ريالا، ولكن ليس الآن.
2 - الإخفاء المتعمد
توجهت إلى لجنة المطبوعات في المعرض، سألت رئيسها يوسف اليوسف عما إذا كانت اللجنة سحبت أي كتب لمحمود درويش، فأجاب مباشرة بالنفي، معلومة تعني أنني لست محل ثقة أمام الناشر على ما يبدو، كما تعني أن الكتب ما زالت موجودة ولكن الوصول إليها يحتاج لبعض الذكاء ربما، المهم هنا أن يطمئن الأصدقاء الذين اعتقدوا بأن تقرير الأمس كان يجب أن ينشر بعد أن يتمكنوا من اقتناء كتب شاعر حالة حصار، وذلك ضمن اتفاقية ضمنية بين المثقفين على كتمان معرفتهم بكتب معينة، بهدف إبقائها بين أعينهم وأيديهم لأطول وقت ممكن، عدت للتجول، وتكفلت أكياسي الممتلئة بقسائم الكتب الأكثر مبيعا، بجعلي أبدو كمتسوق عادي، غير أن هذا لم يعفني من نظرات التشكيك في أكثر من دار سألتهم عن درويش، وكان ظاهر إجابتهم النفي وباطنها «يا ابن الناس ..خلينا نأكل عيش».
3 - مجرد قارئ
«يا قارئي لا ترج مني الهمس، لا ترج الطرب» عبارة قالها درويش في أحد نصوصه وتبدو معبرة عن صعوبة البحث عن كتبه، التي تم اعتبارها ممنوعة بعد مشاركتها في سبعة معارض كتب متتالية كانت تحقق في أغلبها صدارة مبيعات دار رياض الريس، كانت الخطوة التالية هي مواصلة البحث عن شاعر الجدارية خلف أسوار المنع، والتوجه لدار أخرى أقل تشكيكا في فرضية كوني مجرد قارئ يبحث عن كتاب شعر.
4 - مفتاح العبور
يعرف الناشرون بعضهم وما لدى كل منهم، حقيقة كهذه كانت هي مفتاح العبور لتحقيق الهدف، وبعد أن تأملني أحد الناشرين جيدا وأنا أتصفح كتابا لمعلم التأمل أوشو أبديت له إعجابا بكتب الدار، وخيبة أمل من أنها لا تتضمن كتبا شعرية لأسماء مثل قباني ودرويش، قررت شراء الكتاب التأملي رغم عدم احتياجي له والقبول بسعره المبالغ فيه نسبيا، وفي اللحظة ذاتها كان هذا سببا منحني ثقة الناشر الذي سألني بشكل مباشر «هل تريد درويش؟» فأجبته: نعم.. ولكنه ممنوع للأسف، فاقترب مني واضعا يده على كتفي وقال «صل على النبي».
5 - لحظة الوصول
الموقع الذي وصفه لي الرجل كان سهلا ولكنه يقودك إلى دار من النوع الذي تمر أمامه عشرات المرات دون الانتباه له، ولهذا وجدت نفسي بالفعل أمام دار نشر جديدة كليا بالنسبة لي، طبعات فخمة من الكتب، وروايات لأسماء متكررة، قادتني لحوار ثقافي سريع يمكنه بناء جسر ثقة كاف للوصول نحو السؤال الأهم، «هل لديك كتاب لدرويش؟» دون تردد أحضر الرجل كتابا قريبا ووضعه أمامي، أخبرني أن سعره 70 ريالا، ولم يعتبر ذلك سعرا غاليا رغم رأيه الذي يضع درويش في المرتبة الخامسة بين شعراء فلسطين، لم أكن مهتما بالتعليق على وجهة النظر تلك، فقد حصلت على الأهم، أصررت على دفع 50 ريالا فقط، وبقي الرجل في حيرة من أمره حتى حسم شخص آخر النقاش بالموافقة وكأنه يقول «أعطه ودعه يذهب فحسب».
بقي لدي الجزء الأخطر من المهمة وهو توثيق الحدث، طلبت من الرجل فاتورة الكتاب لينشغل بها وأحرر أنا بعض الثواني الكافية لالتقاط صورة للكتاب بين كتب الدار، ونجحت المهمة.
يتخذ الناشر قرارا لحظيا أشبه باحتساب حكم لركلة جزاء، حين يقف على مفترق التخمين بين اعتبارك زائرا عاديا يمكن بيع الكتاب الممنوع له بسعر جيد، وبين الاشتباه في أنك تنتمي لإدارة المعرض وقد تستخدم المعلومة التي تحصل عليها على نحو مؤذ بالنسبة له، وبين الكسب والمخاطرة تحضر البديهة للحظات، ويصبح عليك أن لا تتجول حاملا أي بطاقة تدل على ارتباطك بتنظيم المعرض.