لو قدِّر لباحث أن يكتب تاريخنا الثقافي، أو يرصد مظهراً من مظاهر تحولاته أو بعضها؛ فلا شك أن تجربة المدوَّن اسمه أعلاه، في إدارة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، خلال ست سنوات، ستكون محطة يحسن بذلك الباحث التوقف عندها ملياً، ذلك أن التجربة الإدارية لذلك الرجل ومسيرتها الزمنية، ومظاهرها ومخرجاتها، لم تكن اعتيادية أو نمطية، تسير في فلك روتين المسؤولية الإدارية أو القيادية، والعمل اليومي الوظيفي، في أروقة الجامعة ومؤسساتها ووحداتها الأكاديمية والإدارية والبحثية، ولم تكن سيرة المؤسسة العلمية التي تولى مسؤوليتها ولا صورتها الذهنية، ولا اختصاصها؛ كشأن مثيلاتها. كانت مؤسسة علمية حصينة، تمارس اختصاصها برؤية اعتادتها منذ إنشائها، وبفكر إداري وأكاديمي لم يبرح ما كان سائداً فيها منذ سني نشأتها الأولى، ولم يكن لها علاقة من قريب أو بعيد بمثيلاتها، أو غير مثيلاتها من مؤسسات الثقافة والتعليم العالي والبحث العلمي. ولم يكن لها مشاركة في أية مناشط أو فعاليات ثقافية وطنية، أو غيرها، وكان ثمة من يجهل دورها واختصاصها - وربما وجودها - من أهل المدينة ومن غيرهم، وكانت تدار بعقلية الفضلاء من القيمين على أمرها ممن سبقه، برؤية محافظة متوارثة، يسير فيها اللاحق على خطى وسمت السابق. ولم يبدو أمر تحديث رؤيتها الأكاديمية ونهجها الإداري، ومنهجها التعليمي، وبناها الأخرى؛ ملِّحاً، أو حتى وارداً على ذهن قياداتها.. وهكذا كانت وسارت، وهكذا وقر في ذهن منسوبيها وغيرهم عنها. وكان من أساطينها من الأكاديميين من يروق له كثيراً؛ أن تظل كما كانت، لأنها في نظرهم واجهة فكرية لما استقر لديهم من اعتقاد وقناعات في أمور شتى.. حتى جاء أ.د. محمد العقلا، من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، محتشداً بتجربة في العمل الأكاديمي، والخبرة الإدارية، والنفس المكية الزكية، والحس الإنساني الندي؛ جوهر نبيل وقيم رجولة أصيلة، وحماس وقاد لنفض ركام السنوات الظمأى للوهج والتجديد، وابتدار وتكوين رؤية، وتأكيد رسالة سامية للجامعة منذ تأسيسها، ففتح أبوابها المغلقة، أمام النخب العلمية الوطنية والعربية والإسلامية، وأدخلها مشهد التنافس، والجودة العلمية، والتميز الأكاديمي، وفق أسس إدارية وتنظيمية مسؤولة، وتدرج متزن، وسعي وحماس حثيثين؛ للتطوير والارتقاء بمرفق علمي عالمي، كشف العقلا للكون أنه: (جامعة لا تغيب عنها الشمس)، عبارة صارت أيقونة خطابية تشير إلى هذا الكيان، الذي أورقت الشمس ورؤية العقلا معاً في ردهاته، أورقتا لجنة عليا للتطوير الأكاديمي والإداري، وفرقاً ولجاناً علمية تضم خبراء عرب وأوروبيين، من مؤسسات علمية متخصصة، تقيس مستوى كفاءة ومخرجات الجامعة، في سياق المؤسسات العلمية المماثلة، إلى كراس بحثية وعلمية، في مسارات وحقول معرفية متنوعة. إلى برنامج ثقافي منبري، استقطب قيادات وطنية من الصف الأول. واستضاف أسماء ورموزا علمية كبرى، كان المعيار في استقطابها الكفاءة العلمية والمشروعية المعرفية ولا شيء غيرهما. مما اعتدناه من شروط ومشارط التصنيف والتطفيف. إلى مؤتمرات علمية في موضوعات حيوية، أشرعت لها الجامعة - على يد العقلا - أبوابها للباحثين والدارسين وطلبة العلم والصحفيين والإعلاميين، وجماهير المعرفة من كل صنف ولون؛ تجاوزت الجامعة والوطن، إلى بعض حواضر العالم وعواصمه. إلى شراكات علمية مع مؤسسات أدبية وعلمية وإعلامية، ومبادرات في العمل الثقافي والاجتماعي والإنساني. إلى مشروعات تطويرية في بنى الجامعة ومنشآتها، أضحت بها الجامعة مُتَّجه نظر المدينيين. وزوار المدينة. بعد أن تحولت إلى محفل للمدينيين بكل تنوعهم.. الذي لا تخفى أنساقه على ذي لب.
ولأن ذلك كذلك، فإن الدور الثقافي الذي لعبه وأداره العقلا في سنوات إدارته الست، دور تعدى حدود مسؤوليات (معالي مدير جامعة)، إلى معالي وجوهر دور مثقف، وأكاديمي نابه، ظل خلال تلك السنوات يقابل القوى الرافضة للتجديد، بوعي المثقف المستنير، والإداري المحنك، وبمروءة الرجال، ونبل الإنسان، الذي ترفَّع عن أن ينبس ببنت شفه عن أولئك.. وظل في كل موقف يستدعي صنائعه المجيدة، يتوارى لطفاً وسمواً، وإنكاراً للذات؛ خلف قناعة، أن: الجامعة تعمل بروح الفريق. والعمل الجماعي المتناغم المتكامل.
سيكون العقلا موضوعاً لكاتب تاريخ ثقافي، يدرك ما كانت عليه الجامعة قبله، وما صارت إليه معه.
وكعادة الكبار النبلاء لم يعتزل العقلا الناس، الذين أدركوا دوره، وفقهوا منجزه، وخبروا معدنه، وتداولوا اسمه؛ مكللاً بالجلال، وبسيرة وضيئة لمنجز ستظل المدينة وسيرة التعليم فيها، والوطن وضميره الحي؛ ذاكرة له. استمر العقلا حفياً بمكانته، بعيداً عن المناصب والكراسي والأضواء، في ذاكرة ثقافة ستجد من يكتب سيرتها، عندما تمتلك إرادة وكفاءة نقل مؤسسة علمية عالمية، من الظل إلى الضوء، ومن الصمت والحجب والانزواء، إلى الفعل والفاعلية والوطن والحياة.
محمد العقلا
محمد الدبيسي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
