كان لازماً لتفهم «التعايش» الذي اتخذه معرض الرياض الدولي للكتاب، في دورته هذا العام، شعاراً له، استحضار السياق المضاد للتعايش والمختلف معه، وهو سياق اللحظة الزمنية الراهنة، سياق الحرب على المختلف حتى لمجرد اختلافه.
و»داعش» هنا هو النموذج الصاعق والصادم في أجلى الصور تحدياً للتعايش، وأشدها تدميراً لعلاقات التشارك بين الأفراد والمجتمعات الإنسانية! خصوصاً وتنظيم داعش يلطخ بأفكاره وأفعاله التي يبررها بالإسلام وينسبها زوراً إليه، سمعة المسلمين جميعاً وما ينبغي عليهم جلاؤه عن سماحة دينهم وعدالته.
لكن من وراء داعش وبموازاته فكراً يحمل الوجهة ذاتها، وجهة الإقصاء للمختلف، وإعلان الحرب عليه، واستبدال العداوة له وقطيعته وكراهيته بالتعايش معه والمحاورة له وتبادل الإفادة منه وله.
وأوضح ما يكون هذا الفكر في تبريره لجرائم داعش والتصديق على نسبتها المزورة إلى الإسلام والمحاجة دونها، واتهام من يرى غير رأيه بالعداوة للإسلام أو بقصور الفهم له.
ويمكن التمثيل على ذلك بما أثارته أخبار الاسترقاق للنساء، أو حرق الطيار الأردني، أو قتل الأقباط...الخ في مواقع التواصل الاجتماعي وبعض القنوات، حين تصدى للمستفظعين لهذه الجرائم، من يزعمون شرعيتها الإسلامية، ويوردون «الأدلة» وبعض «الآراء» الفقهية والدراسات «المحكّمة» و»المجازة» من الجامعات!وليس الاعتراض الذي حدث في إحدى ندوات معرض الرياض الدولي للكتاب على الانتقاد لتحطيم داعش تماثيل الآشوريين وآثار حضارات أكثر من تسعمئة سنة قبل الميلاد في الموصل، إلا وجهاً من وجوه التجلي لهذا الفكر وبروز أمثلته.
فالاعتراض يحمل تأييداً لتحطيم الآثار والتماثيل، ويبرر ذلك بالاستشهاد نفسه الذي تشترع به داعش شرعة إسلامية زائفة لفعلها، وهو تحطيم الرسول صلى الله عليه وسلم للأصنام بعد فتح مكة! ولا أدري لماذا لم يتوقف هؤلاء المعضدون لفعل داعش عند المحافظة على هذه الآثار وحمايتها طوال القرون الممتدة منذ قدوم الإسلام إلى مناطقها على يد الصحابة الفاتحين، وإلى اليوم؟! ولماذا لم يفرقوا بين تحطيم الرسول لأصنام قوم نشأوا على عبادتها من دون الله، ثم دخلوا في دين الله أفواجاً، وبين آثار وتماثيل لا أحد يعبدها؟! بل لماذا نجت من المغول والتتار والاستعمار الغربي ونجت ممن جرى تشبيه داعش بهم وهم الخوارج، أو غيرهم من سائر الظلاميين والمتوحشين، حتى وصلت إليهم؟!شعار المعرض المثبت فوق رؤوس المتحدثين في الندوة: «الكتاب..تعايش» قرين الندوة نفسها التي كان عنوانها: «الشباب والفنون..دعوة للتعايش».
وأعتقد أن من اقترح هذا الشعار ورسم دلالته لم يكن ينتظر شهادة حية وحاضرة في المعرض على صدق إحساسه ورهافة وعيه بأهمية التعايش، بالقدر الذي تشهد به له حادثة الصدام في الندوة! فثقافتنا حتى من دون الحسبان لداعش، بحاجة ماسة إلى تشرب معاني التعايش والحوار، وحاجتها هذه ليست حاجة إلى الوعظ بتلك المعاني، ولا الترداد للألفاظ، وإنما هي حاجة عملية، حاجة إلى مجتمع وطني مؤطر بما يكفل التعايش بين أبنائه من دون أن يتعالى طيف من أطيافه على غيره، أو يدعي احتكار خاصية وطنية لا يمتلكها غيره.
لقد بدا شعار المعرض في الصور المنقولة عن الندوة بعد أن اختلط فيها المتحدثون بالجمهور ورجال الأمن، ينادي على ذاته، ويشير إلى الفجوة بينه وبين المكان المحيط به!
«التعايش» والتأييد لداعش..!
صالح زياد3 دقائق للقراءة

حجم الخط
