المكونات الدينية والثقافية والاجتماعية لدول الخليج أسهمت جليا في بلورة شكل الأنظمة السياسية في الخليج العربي، وجعلتها تختلف عن بقية الدول العربية.
حتى إن هناك أنظمة سياسية عربية تتشابه في شكلها مع الأنظمة السياسية في الخليج، كالأردن والمغرب على سبيل المثال، إلا أن طبيعة علاقة المجتمع بالنظام السياسي تختلف اختلافا كليا عما هو عليه في الخليج العربي.
ففي الأردن والمغرب هناك حياة نيابية وعمل حزبي متاح، فتوجد أحزاب سياسية، ونقابات ومؤسسات مجتمع مدني.
كما أن تشكيلة الحكومة في الأنظمة الملكية العربية (الأردن والمغرب) تختلف عما هي عليه في الخليج، إذ تخلو الحكومتان الأردنية والمغربية من وزراء ينتمون للأسر الحاكمة، بعكس ما هو معمول به في الخليج.
وكذلك الحال بالنسبة لوراثة العرش، فالعرش في الأردن والمغرب مآله عرفا ونظاما إلى الابن البكر، ويكاد يكون هذا الأمر محسوما ولا يشكل هاجسا أو قلقا لفئات المجتمع هناك.
بينما في دول الخليج العرش متاح عرفا ونظاما لطائفة واسعة من أبناء الأسرة الحاكمة، والمسألة ليست ضبابية وحسب؛ بل تعد أحد أسباب القلق المزمن في منطقة الخليج، وتستغل غالبا كورقة ضغط من قبل خصوم الأنظمة الخليجية.
ويشبه أسلوب الأسرتين الملكيتين في المغرب والأردن في التعاطي مع الشأن السياسي والاجتماعي أسلوب الأسر المالكة الأوروبية، فبالرغم من أن ليس هناك ديمقراطية حقيقية في هذين البلدين إلا أن هناك شعورا بالخجل من ممارسة السياسة بشكل مباشر، وغالبا ما يكون التأثير الملكي غير ظاهر وغير مباشر.
إلا أن الأنظمة الملكية العربية تشترك مع الأنظمة الملكية الخليجية في محاور جوهرية كثيرة، ومن أبرزها غياب الديمقراطية الحقيقية.
لكن كما ذكرت تختلف في التعاطي، الذي تكوّن بسبب الاختلاف في النظرة للسلطة نفسها وللمجتمع والدولة والأرض والمقدرات.
وهذا ما يعرف بـ"الثقافة السياسية"، فالثقافة السياسية للأنظمة السياسية في الخليج تكونت بفعل الموروث الاجتماعي والديني.
وليس جديدا عندما نقول إن أربع دول من دول الخليج الست تحكمها أسر من منطقة نجد قلب الجزيرة العربية، ذات النمط الاجتماعي الأبوي، وهذا النمط الاجتماعي هو الأكثر حضورا في المشهد السياسي الخليجي وإلى يومنا هذا، وبدون مبالغة نستطيع أن نقول إن العامل الاجتماعي كان أكثر تأثيرا في المشهد السياسي من العامل الديني.
والمتأمل حال الدول الخليجية يجد أنها وخلال العقود الماضية تطورت تنمويا وعمرانيا واقتصاديا واجتماعيا، لكن العلاقة بين الحاكم والمحكوم بقيت كما هي.
وليس سرا أن جهاز الدولة في الخليج عمل على تكريس النظام الاجتماعي الأبوي وتقديم النظام السياسي بصورة "الاجتماعي"، كما حافظت الدولة في الخليج على البنية العصبوية للمجتمع مقابل التحفظ في دفعه نحو المجتمع المدني.
وقد أسهم النفط في تكريس هذا الواقع.
وبفعل نمو المجتمعات الخليجية وتطورها وازدياد وعيها وثورة الاتصال والمعلومات تفككت كثير من المفاهيم السياسية التقليدية غير أن الآلة الإعلامية الرسمية حرصت على تقديم البنية السياسية بطابع اجتماعي.
الذي أريد أن أقوله هنا هو إن تحديث البنية السياسية في دول مجلس التعاون - ولو على المستوى الإداري على الأقل وهو الأقل كلفة - سيعتبر مؤشرا على الشروع في تحديث البنية السياسية وتقليص الفجوة بين المجتمع والدولة في الخليج.
fayed.
a@makkahnp.
com
البنية السياسية في الخليج
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
