لا أخفيكم سرا أني حينما دعيت للانضمام لكوكبة كتاب صحيفة مكة، وهي تستعد لبزوغها الأول، لم أكن أعرف رئيس مجلس إدارتها الشيخ صالح كامل شخصيا؛ وأنني لم أقابله ولم أتحدث معه حتى وقت نشر هذا المقال؛ وأنا أوضح ذلك لكيلا يتهمني البعض بأني أصبحت أكتب مقالاتي على رنة جلود الطبول!.
وأزيدكم من الشعر بيتا، بأنني كنت عندما أرى مقالا له في زاويته (السوق)، أمر على دروب الشكوك في أن يكون هو من يكتب تلك المقالات، وأتعجب، وأسأل نفسي عما يصبو إليه هذا الإنسان الأخطبوط بعد، والذي قضى معظم سنين حياته الطويلة في واجهة الضوء؛ معانقا هالات النجاحات ورموزها المتعددة.
في البدء كنت أقرأ له بطرف عين حذرة، وعيني الأخرى مغمضة لتحليل الفكر، فلعلي أن أستوعب شخصه أكثر، وأن أعرف ماذا يريد بعد؟.
وحقيقة أني لنت مع الوقت وصرت أجد أسلوبه أبوي سلس فخم، ينقش العبر بحكمة السنين، وأنه شفاف قريب للقلب يحمل القارئ معه في جولات أحاسيس وعي إنسانية بمكنوز الماضي الحميم، فكأني أرى وأتلمس دقائق ما يقوله ويصفه بباطن وعي.
لقد تخيلت من خلال مقالاته حارات الحجاز العتيقة، وعبق مكة المكرمة، بجميع خصوصياتها ودروبها وبيوتها، وكنت أستغرب تلك الذاكرة القوية الشاملة الدقيقة بالأسماء والأحداث والأماكن، والتراث، والطبائع، والأخلاق، والإنسان والمعتقد السمح.
لقد جلست معه بخيالي على حنابل كُتَّاب الماحي، وأمسكت بلوح وفحمة، ورددت حروف الهجاء، وتلمست ملامح معلميه، ولعبت وتشاقيت مع أصحابه في الفسح، وتعانقت مع أحلام تصاعد ثورات طموحه، في مساره الحياتي والعملي، وعناقه مع الحبر، والورق، وتقابلت مع أقرانه من الشباب الواعدين حينها، وممن أصبح بعضهم رموزا لإنسان الأمس السعودي.
لقد تصاعدت طموحاتي وأنا أسير بجواره في مسيرة عصامية بتسارع ونضج الطموح المهول السابق لعصره، والمحطم للأرقام، حتى تمثلت لي صور الحكايا القديمة الباهتة واقعا أعيشه بالألوان والأبعاد.
لقد صافحت بيده معظم رموز الدولة السعودية، والدول العربية والعالمية، وكنت أنظر لكل منهم بزاوية وأبعاد قد لا تراها الأعين.
رضينا أم أبينا، فهذا الشخص رمز للإصرار والطموح، وهو مجلدات من التاريخ، والعطاء، والإنجاز، والمبادرات الخلاقة بأغلب ما فعله في حياته، وجميع ما فعلته به حياته، مما يجعل الكثير منا يتمنون لو أنهم حازوا ولو على النذر اليسير من تجاربه الغنية الإنسانية، التي أبدع في التعامل معها، وليس فقط على الجانب المادي.
لا أدري كيف ستفهمون غرضي من هذا المقال، ولكني حين أستعرض مقالاته الغنية بالمعاني أفكر في ماذا كنت سأقضي لو كنت مكانه كتتويج لمسيرتي؟.
وقد وجدت الجواب الشافي، والذي يرضيني ويقفز بي إلى نقطة عطاء تاريخي أتمكن من خلالها أن أرصد الكثير من تلك الذكريات والخبرات وأحفظها جلية حيث يجب أن تكون، وبطريقة جمعية متنوعة منتخبة، وسهلة أهديها لمدارك الأجيال القادمة.
لو كنت مكانه لتقدمت لقناة (ناشيونال جيوجرافيك)، بمشروع إنتاج فيلم سيرة ذاتية شعبية وثائقية محكية أرسخ فيها عرى الذاكرة بالجذور والزمان والصور، والمكان والنقش والحركة والصوت والإنسان والطبع، والحوار والحدث.
فيلم لا يُمجد بقدر ما يسجل دقائق الواقع وينقل معالم الماضي لأيدي المستقبل، لنعود معه جميعا لما لم نعرفه، ونُلقي الضوء على عمق وجدانيات هذا البلد الحرام وبكل معطياته، وكيف كان، وكيف كانت النقلات النوعية تحدث في حياة شخصية محور الفيلم، متزامنة مع التنقلات النفسية، والاجتماعية والسياسية والفكرية والروحية والأثرية.
هذا العمل العظيم لو تم كما أتخيل، فسيكون تتويجا لرحلة عطاء طويلة عظيمة تبرز جزءا حميما من تاريخنا، ومن نهضة بلدنا، ومن عظمة إنسانها، الذي كان وما زال يكتب التاريخ بحروف الطموح.