تعلمت قيمة الارتباط العاطفي بحب طيبة الطيبة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم.. أذكر زيارتنا السنوية متوجهين من مكة المكرمة إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث يتم الاستعداد مبكرا لتلك الرحلة الروحانية، وكم يزداد شوقي لما أراه من لهفة كانت تبدو على محيا والدي رحمه الله مع اقتراب الموعد.. لم يمل ذلك الصغير قط من طول المكوث داخل الحرم، فكل ما حوله يبعث إلى الراحة والطمأنينة والوقار.. فهنا يقف متأدبا للسلام وهناك يمكث داخل الجنة، تحتضنه رحابة صدر أبيه وتنمي حبه بأرق القصص.. ولكل أسطوانة وركن حكاية!..
عرف من سكن الحجرات وكيف يستقبل الوفود ويرحب بهم، ولماذا لم يتخذ المبعوث رحمة للعالمين حرسا؟ أصغى مشدوها لسر أسطوانة السيدة عائشة والتوبة والسرير وخوخة الصديق التي لم تسد! هذا المنبر شامخ على ترعة من ترع الجنة وتلك المخلقة انطوت على أنين جذع حن، بني: هذه حدود مسجد حمل لبناته إمام الهدى، وإلى الأقصى توجه قبل أن يوليه مولاه قبلة تاق طهر نفسه إليها، هنا تصطف الملائكة، وهنا أينعت خير أمة أخرجت للناس، وهنا صلى بجوار أبي بكر، من هناك أوصى بالنساء قبل أن يرجع إلى حجر أم المؤمنين لتصعد روحه الشريفة إلى الرفيق الأعلى..
تعلمت حب صحب كرام اكتسوا حلل النظر إلى وجهه الأنور وجبينه المليح الأزهر صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المحشر.. أذكر شتاء المدينة وكم كنت أطيل النظر في وجوه مطمئنة تدثرت في رحاب الروضة الشريفة وما جاورها.. ثم نخرج من باب جبريل، متجهين عبر ساحة الاشتياق، لنقف على باب البقيع، حيث نسلم ثم نستحضر رحيق سيرة عطرة.. هنا أول الواردين وعترة صاحب الشفاعة: بناته ومنهم الزهراء بضعته، وزوجات تؤمهم من آثرت مضجعها لملهم الأمة، وهنا صفوة رجال وشيخهم عم استسقى به الفاروق، وعلى الجانب الأخر عمات فيهن زوجة وأم رجل بألف.. وهناك.. نام إبراهيم الذي أدمع وأحزن رحيله قلب رحيم الأمة، وبجواره تاجر كاد الرمل أن يستحيل ذهبا في يديه وهو أحد العشرة المبشرين، وابن مظعون أول من سكن البقيع من المهاجرين، ومن قال فيه الحبيب بأبي أنت وأمي، يقابله صاحب قدمين نحيلتين أثقل من أحد في الجنة، طبتم يا شهداء الحرة، وطبت وحيدا يا ذا النورين يا من طاش دمك على قرآن جمعته بيديك، هنيئا للأم المرضعة، وهنيئا لمن ووريت بقميص رسول الله، وجزيت خيرا أيها المجاهد الفقيه المحدث، أما أنت أسأل الله أن أجد مثوى بجوارك يا من اهتز عرش الرحمن لموتك يا شاهدا بحكم الله من فوق سبع سماوات.. ونرجع بوجد فاق حنين الاشتياق..
تعلمت تمييز نكهة طعامها واستشعرت رحيق بركتها وأدب أهلها، ولا عجب ممن تربى على حب المصطفى صلى الله عليه وسلم..
أذكر إحساس الجوع بعد غذاء الروح مع نسمات الصباح الباردة العليلة، حيث كنا نتجه إلى زقاق الطيار، وننزل من باب أخضر عتيق، لنحصل على حبل خيش وقسط من دفء ينفث من جوف فرن غائر تتراقص داخله خيالات وميض اللهب.. ولا نكاد نخرج حتى أكون قد بدأت في قضم الكعك الحجري المتدلي من يد أبي وهو يبتسم وينبه لعدم نثر الفتات على قارعة الطريق، وكم هو لذيذ.
يرحب بنا بائع اللبن وكأنه يعرفنا منذ زمن! ويضيفني بكأس حليب ساخن.. نمر على الفوال ولا نحتاج طلب وصاية؛ فأيدي الباعة كانت تفيض بسخاء منقطع النظير وبشاشتهم تغدق على الصغير من زبائنهم وتوقر الكبير.. نجلس للتناول الإفطار، وبعد أن نشبع، أجد أن ما فاض منه أوفر بكثير!.. ولم أستسغ طعاما أزكى من طعام طيبة قط.. نعناع المدينة واحتساء كوب الشاي كانت تصاحبه قصص سيرة التهذيب.
ولنا مع طيبة الطيبة وقفة أخرى.