ما إن تأذن الشمس بالمغيب، ويرخي الليل سدوله، إلا وتنصب الصواني وتوضع الأواني في ساحة الحي استعداد لدعوة الجيران لتناول العشاء، لتعقبها جلسة مسامرة، تعكس أوجه المحبة والتآخي والترابط بين سكان حي الزاهر القديم.
عاش عمدة حي الزاهر ممدوح الجهني أجواء وتفاصيل الحياة المكية القديمة، إذ كان شاهد عيان لنهضة عمران الحي منذ بدايته، وبعد أن اكتمل البنيان وامتلأ الحي بالسكان، هب لتوطيد العلاقات الاجتماعية بين أهالي الحي، من خلال المناسبات التي يقيمها الأهالي ويحضرها كثير من أبناء الحي، يتسامرون ويوثقون عرى التعارف.
ويرى الجهني أن التواصل الاجتماعي بين الأهالي يأتي بآثار إيجابية على المجتمع، وتعكس العمق الاجتماعي القديم بما يعود بالخير والنفع الكثير على الفرد والمجتمع، معتبرا أن ما يقوم به من أعمال في الجوانب الاجتماعية، يأتي بدفع من أهالي الحي، وتشكل امتدادا لجذور العمل الاجتماعي في الماضي.
ويسترسل بالقول: بدأ حي الزاهر، شأنه شأن أحياء مكة المكرمة القديمة، بالترابط وفق العادات الاجتماعية الأصيلة، وما زالت عقولنا تحتفظ برونقها القديم، ورغم تلون الحي بثياب الحداثة، إلا أنها لم تغير في طبع البشر، بل ظلت المحبة والتكافل الاجتماعي يكبر ويتطور، حتى أصبح يمثل منظومة متكاملة، تثري العمل الاجتماعي وتعزز جوانبه في نبذ الخلاف المجتمعي بجدارة ومعرفة، متخذة الإرث والبساطة بعيدا عن تعقيدات الحياة المعاصرة.
وتحدث الجهني عن نتيجة تكاتف أهل الحي وكيف أنها أدت للتسامح والعيش بمحبة بين الجميع الذين يحرصون على الالتفاف حول بعضهم في الملمات كشراكة حقيقية ومثلى بين أفراد المجتمع، وإذابة الخلافات الاجتماعية، وتقوية الجدار النفسي بين السكان وكسر حاجز الاعتزال الاجتماعي، فتلاشت الفوارق والفواصل بين أهالي الحي.