تأملت في حديث وزير الاقتصاد والتخطيط الدكتور محمد سليمان الجاسر بعد مشاركته في ورشة العمل بمعهد الإدارة العامة بالرياض، بعنوان «تطوير كفاءة القطاع الحكومي لمواكبة المتغيرات الاقتصادية»، بمشاركة عدد من القيادات الإدارية ومنسوبي الأجهزة الحكومية.
لا أجد مبررا لتلك العبارات التي أطلقها، فهي مثيرة للجدل، وتنبئ عن فكر لا يمكن وصفه ويستحيل رسمه!عبارات عدة طار بها الركبان في وسائل الإعلام، ولاقت استهجانا من المتلقين، فمقولة «البطالة من سنن الله ولا يوجد مجتمع منذ عصر النبوة إلى الآن إلا وفيه بطالة»، لا يمكن تفسيرها إلا بالرضى التام؛ فالسنن ليس للمرء إلا الخضوع لها، ولا مفر من وقوعها، وهنا نتساءل: هل كان الوزير يقصد ذلك؟أما العبارة الأخرى فهي وصفه لمعدل البطالة في المملكة بأنه «معتدل ويبلغ 6% فقط»، ووصفه لها بأنها تعتبر «معقولة مقارنة بالدول الأخرى وفق الإحصاءات الدولية، وأن ما يعوق رفع كفاءة الاقتصاد السعودي تعدد الشرائح المكونة لسوق العمل، والإشارات الخاطئة التي يرسلها للمتعاملين معه، نتيجة لكثافة توظيف السعوديين في القطاع الحكومي وبإنتاجية متواضعة»، وهنا إشارة لأولئك المسؤولين وإنتاجيتهم، والسؤال عن تقييمها، وبخاصة من يغطّون في نوم عميق أثناء الاجتماعات الرسمية، في صورة مخزية تعطي انطباعا سيئا للعالم.
ولعلنا نحاور وزير الاقتصاد، فبينما ينتقد إنتاجية المواطن السعودي، نجد أن الوزارة قامت منذ إنشائها بإعداد خطط خمسيّة تنموية تمحورت حول رفع مستوى دخل المواطن ومستويات المعيشة، إضافة إلى تحسين جودة البُنى التحتية في الدولة، فأين نتاج تلك الخطط؟إن من المشاهد أن الوزارة لم تقدم خدمة مباشرة للمواطن، وبودي لو تعامل الوزير بواقعية قبل الانتقاد، فيظهر لنا نتاج تلك الخطط، ويوضح تأثيرها على اقتصادنا، وأخشى ما أخشاه أن يبرر معاليه الغلاء ومستوى الدخل ويرجعهما لأسباب ربما تكون أكثر استفزازا للمشاعر.
لقد سبق لوزارة العمل ومصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات أن حسمتا التضارب بين الجهات الحكومية التي تعلن معدل البطالة، وتأكيدهما أن المعدل يبلغ 11.
7%، طبقا لبيان مشترك في فبراير الماضي، لتأتي تصريحات وزير الاقتصاد متضاربة تماما مع ذلك الإعلان، وتخفّض النسبة لحوالي 50%!.
وأشار الوزير إلى أن الاقتصاديين لم يتفقوا على معدل البطالة في المملكة بشكل دقيق، مبيناً أن وزارة الاقتصاد تعتقد بأنه ما دام هناك من يبحث عن عمل، فيجب تهيئته وإيجاد فرصة عمل له، حتى يحصل المواطن على العمل الكريم (أرجو وضع أكبر قدر ممكن من الخطوط تحت كلمة الكريم؛ فالراتب الهزيل لا يمكن أن يوسم بالكريم، ولا نتوقع منه إنتاجية كبيرة).
وأضاف أن الاقتصاد السعودي ينتج فرص عمل هائلة جداً، ويؤكد ذلك وجود نحو 10 ملايين أجنبي يشاركون معنا في عملية التنمية!.
وكم تعجبت من تلك المشاركة وانتقاد الوزير لمستوى إنتاجية الموظف السعودي، وكأنه يعني أن من يشاركنا إنتاجيته تفوق نتاجنا، ولنقف وقفة صريحة مع مثل هذا الكلام، ونسأل عدة تساؤلات:هل قامت الدول إلا بسواعد أبنائها؟ وهل نروم اقتصادا يبنيه لنا غيرنا؟ وإلى متى تستمر هذه النظرة السلبية للموظف السعودي؟.
وبودي لو لمسنا دورا للجهات الشرعية للرد على من يتهم صحابة نبينا بالبطالة (كائنا من كان)، ومشايخنا يفترض فيهم الذب عن هؤلاء الفضلاء؛ ولا توجد بطالة في صفوف المسلمين إذ ذاك؛ لانشغالهم بالجهاد والفتوحات الإسلامية.
ومثل هذا الكلام يستفز الجميع، وقد آلمت هذه العبارات غير المدروسة المشاعر، وبخاصة أفراد المجتمع السعودي الذين ينتظرون في عهد والدهم سلمان بن عبدالعزيز أن تتحقق الطموحات بتوظيف جميع أبنائه وبناته.
وأجزم يقينا أن مثل هذه التصريحات هي نتاج العيش في تلك الأبراج العاجيّة التي يقطنها البعض، ممن لم يدركوا حجم معاناة البطالة، والأسر التي تئن لوجود عاطل أو أكثر.
وأكرر رجائي بألا يصرح المسؤول إلا من خلال كلام مكتوب، فهو محسوب عليه، والهفوة ربما لا تغتفر، فما بالنا إذا وصلنا إلى درجة المغالطة!
وزير الاقتصاد.. دور غائب وتصريح من العجائب!
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
