«نحن لا نشبع أبدا» يقول الدكتور مصطفى محمود:«نحن نأكل الجوع ونشرب الظمأ ولا فائدة
نحن جوعانون أبدا، نحن كالغرابيل المخروقة
لا شيء يبقى في داخلنا، بطوننا مخروقة، نفوسنا مخروقة مفتوحة على الخواء، على العدم
صدورنا خواء، كل هذا خواء، عدم، كيف تملأ الخواء؟ الذهب لا يملأ الخواء
لا شيء يملأ اللاشيء»
هذا الذي يحاول الدكتور محمود تشخيصه: الخواء، اللاشيء، هذه المشاكل التي يعاني منها الفرد الحديث الجوعان أبداً، هي التي كتب عنها إدوارد إستلن كامينغز (إي إي كامينغز) قصيدته: والآن، عالمنا يهوي منحدرًا
كامينغز كان أحد أكثر شعراء الحداثة فرادة وتميزاً، فرغم كتابته بعض السونتات والقصائد التقليدية، إلا أن كثيراً من قصائده كتبها شعراً حراً خالف فيه ليس قواعد الشعر التقليدية فحسب، بل حتى قواعد اللغة والإملاء
في تلك الفترة من حياته التي كتب فيها قصائده الحرة، كان قد دخل تجربة الرسم التكعيبي، فنجد تكاملاً أسلوبيا وتعبيريا إن صح القول بين الفنين «الشعر والرسم» لدى كامينغز
ولهذا يصف النقاد أسلوبه «برسم الصور الشعرية»
يبدأ كامينغز قصيدته بوصف سوداوي لحال العالم البشري، وتنبؤ متشائم لمآله:والآن، عالمنا يهوي منحدرًافي طريقه نحو اللاشيءقد محتِ القسوة الطيبةوالأصدقاء استحالوا أعداء»إنه عصر انقلاب الموازين وتبدل القيم، وهو ما يعود للتأكيد عليه في مقاطع قادمة
«اختبئ، أيها العقل المُهان الضعيفيا من يظن الحكمة في نفسه»يا للعقل البشري البائس الذي تفاخر به مفكرو العصر الحديث وتغنى به فلاسفتهم! وهم إذ قدسوه ورفعوا قيمته على حساب الروح والعاطفة والقيم الأخلاقية والاجتماعية، قد أسقطوا الفرد في فخ الخواء
وهذا ما أراد الطنطاوي نقضه في عبارته الشهيرة «القلب منزل أقدس شيئين بالوجود، الإيمان والحب، وحسب العقل جمودا وعجزا أنه لا يستطيع أن يفهم الحب ولا أن يدرك الإيمان»
ثم يعود كامينغز إلى وصف التناقضات التي يعاني منها العالم الحديث:«حيث السموّ إلى الهاويةوالنور هو العتمةالآن الخطأ هو الحق الأوحدمذ صار الأبطال هم الجبناء»هذا الأسلوب مما ينفرد به كامينغز عن غيره من الشعراء، فهو يكثف الصفات المتباينة ويضع علامات الترقيم في غير موضعها، ويعيد تشكيل الجملة ويفكك ترابطها، كما لو كنت ترى لوحة تكعيبية
وهذا ما لا يمكنني نقله عبر ترجمة شعره
في هذا العالم لم يعد ممكناً أن نميز الحق من الباطل، والخبيث من الطيب، والشجاع من الجبان، والعدو من الصديق، الثابت صار متغيراً والمطلق نسبياً، والحقائق لم تعد أكثر من آراء، واليقين انقلب شكاً
وكل الألوان تماهت في بقعة رمادية دون ملامح، حيث لا شيء يعني شيئا وكل شيء يسير نحو اللاشيء
وهذه ليست مشكلة عالم كامينغز وحده، بل العالم الحديث بأسره المنحدر نحو الهاوية، هاوية أخلاقية وروحية وعاطفية ومعرفية، رغم كل التقدم المعرفي المعاصر
بل ربما كان هذا التقدم هو أحد أسباب السقوط
فالإنسان يخترع الآلة تلو الآلة في عطشٍ تعيس إلى تسهيل الحياة وترويضها، لكنه بدلا عن ذلك أصبح عبداً لها دون أن ينتبه
قد فرغ من روحه التي دهستها عجلات الآلات الحديثة، وهو مع هذا السعي إلى الارتواء المادي والمعرفي لم يزدد إلا عطشاً
هل يمكننا أن نسقط معاناة الفرد الغربي في القرن العشرين على الفرد العربي الآن؟ إنه يعاني التخبط ذاته ويدور في حلقة مفرغة باحثاً عن أهميته وجدوى وجوده، يلهث في حمى استهلاكية محاولاً تحقيق ذاته عبر شهادة ووظيفة ومرتب، مجرِّداً المعرفة من ثرائها، والعمل من قيمته المعنوية
قد سقط في نفس الفخ، وأصبح ينظر للأشياء والناس من حوله بنظرة مادية بحتة
وفي مسعاه نحو الحداثة، انسلخ من ماضيه وتراثه، وما استطاع التصالح مع حاضره، ولا التفاؤل بمستقبله، وهو مذبذبٌ بين تاريخ أصيل وحداثة براقة، فاقداً هويته بين هذا وتلك
يختم كامينغز قصيدته بغير ما بدأها به، فهو يعود معبراً بالنغمة الكئيبة المستاءة ذاتها، عن التناقض واللايقين في العالم الحديث:«حيث الأعين المبصرة انقلبت عمياءوالشفاه قد نستِ القبلحيث كل شيء صار إلى اللاشيء»لكنه وفي آخر سطر يصدم القارئ ويدهشه بتفاؤله وإرادته وحلمه بالتغيير
تسامي يا روحي، واصدحي بالغناء»إنه يصر على الوقوف وسط هذه الفوضى، يصر على ألا يخسر روحه أو يفقد صوته، في العالم الذي «أصبح مسرحا مجنونا» كما يقول الدكتور مصطفى محمود، «يهرول فيه المجانين في اتجاه واحد نحو القوة المادية»
نحو الهاوية
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
