الإنسان ابن بيئته، يتأثر بها ويؤثر فيها باستمرار، والأُسرة أُولى تلك البيئات، وأكثرها تأثيرا في تشكيل الشخصية، وقد استقر في الذاكرة البيت الشعري الشهير:وينشأُ ناشئ الفتيان فيناعلى ما كان عوده أبوهوربما اتخذ بعض الكسالى والخاملين، من ذلك حجة لفشلهم وركونهم للخيبة في طموحاتهم الضعيفة، وباتوا يرددون مقولة امرئ القيس: ضيعني أبي صغيرا، وحملني دمه كبيرا.
وحتى لا نقسو في الحكم، ربما كان لكلامهم نصيب من الحقيقة، لكنها ليست حقيقة مطلقة، فالإنسان السوي هو من يتجاوز إخفاقاته، مستعينا بخالقه عز وجل، متسلحا بالعلم والمعرفة وتجارب السنين.
وكم من والدين لم ينالا حظا من التعليم، وقد نبغ أبناؤهما وبناتهما، نبوغا بات حديث الناس واستحسانهم.
ومن باب الاعتراف بالفضل، والشكر لله تعالى ثم لوالدي الكريمين، فإني أتقدم لوالدتي الغالية ونور عيني في هذه الدنيا، بأسمى عبارات الامتنان والثناء لمقامها الرفيع بوجداني، على ما بذلته فيما مضى من سنين عمرها المبارك، من جميل التربية ووافر العطف والحنان، داعيا لها بطول العمر ودوام الصحة.
وأرفع أكف الضراعة لخالقي جل في علاه، أن يتغمد والدي ومعلمي بواسع الرحمة، ويسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، فلقد ضحى بصحته من أجل أُسرته، وغادر دنيانا عليلا في جسده، قويا في إيمانه، وترك في الحياة أثرا طيبا، وذكرا حسنا لن ينساه كل من عرفه.
وكم كان رحمه الله يفضح جهلي، وأنا الشاب الذي أعتقد أني أخذت بأنواط الحكمة، وأسباب المعرفة.
!ولي معه - غفر الله له - مواقف لا تتسع المساحة لكتابتها، لكن العامل المشترك فيما بينها: النظرة البعيدة للأمور، من خلال تجربة حياتية ممتدة.
أما والدتي وحبيبة قلبي، فلها تأثير كبير على توجهاتي الأدبية والفكرية، ففي حضنها الدافئ استمعت بشغف مع إخواني وأخواتي للعديد من الحكايات، مما طبع طفولتي بطابعٍ أدبي، وصنع لي خيالا ثريا لا حدود له، هو اليوم زادي ورصيدي اللغوي والتصويري فيما أكتبه وأقوله.
ولعل المضحك هنا، أنني من حين لآخر أزحف على ركبتي، مقتربا من والدتي، وطالبا منها في تودد، أن تعيد لي حكاية محببة بنفسي، لأن تلك الحكاية بعينها مليئة بكثير من الحيوانات، التي يؤدي كل واحد منها دورا به دلالات، عرفتها حين كبرت.
والمبهج أن أمي العزيزة، ما زالت تحكي الحكاية بذات الأداء الساحر، وبصوتها الذي اختزنته ذاكرتي منذ سنين بعيدة، لن أقول لكم عددها.
!لا أَنسى أن أُضيف هنا، أن أمي - دامت عليها ثياب الصحة سابغة – شاعرة من طراز رفيع، حاولت مرارا مجاراتها في بعض قصائدها، لكني في كل محاولاتي أنال هزيمة منكرة، لي الفخر أن والدتي ألحقتها بي.
!
مواقف أبي وحكايات أمي
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
