ما من شك أن أي ظاهرة أو خلل يصيب أي مؤسسة لا يمكن أن يأتي بمحض المصادفة، وإنما لا بد لذلك من مقدمات وأسباب، وهي مقدمات وأسباب يمكن الحد منها والتقليل منها أو إيقافها حينما يكون هناك وعي بخطورة المسألة، أو تنبؤ بإمكان كبرها أو تفاقمها أو استعصائها على الحل.
والجامعات في العالم هي أعلى المؤسسات العلمية في المجتمع، والمفترض فيها أن تكون حاضنة للمعرفة والإبداع والبحوث والدراسات، وأن تكون جهة حية ومتفاعلة مع الوطن والمجتمع المحلي، وأن تسهم في التنمية والتخطيط بما يجسد دورها ويعكس أهمية مشاركتها في حياة الإنسان.
والواقع أن الجامعات في المملكة العربية السعودية شهدت توسعًا كبيرًا في الفترة الأخيرة؛ ربما لظروف تطلبتها المرحلة التنموية التي تعيشها المملكة، وقد كان هذا التوسع شاملا من حيث زيادة عدد الجامعات والكليات في مختلف المناطق والمدن، وزيادة أعضاء هيئة التدريس، وزيادة الشريحة المستهدفة بالخدمة، ممثلة في توسع الجامعات في القبول بشكل لافت للنظر، والنزول إلى مستويات ومعدلات لم تكن الجامعات تقبل أصحابها قبل نحو عشر أو خمس عشرة سنة، ومن هنا أصبحت الجامعات مليئة بكم كبير من التخصصات وعدد كبير جدا من أعضاء هيئة التدريس والطلاب، وهو الأمر الذي أدى إلى تدني مستوى مخرجات الجامعات على النحو الذي تؤكده النتائج الرسمية لاختبارات القياس والتقويم؛ فضلا عن شكوى العديد من جهات التوظيف وخصوصا الشركات الكبرى التي تهتم كثيرا بتقييم مستوى الخريج وفق أطر ومقاييس واضحة من تردي مستوى المخرجات، وهو التردي الذي تزداد درجته بشكل تدريجي يحتم على الوزارة والجهات المعنية بذلك أن تدرس أسبابه والعوامل المؤدية إليه.
ولا ننكر أن هناك تقدمًا على المستوى البحثي، وأن الأستاذ الجامعي بدأ ينظر لدوره بشكل عصري، وأصبح أكثر اهتماما من ذي قبل بتطوير الذات واستخدام التقنية ونحوهما، وأن المؤسسات الأكاديمية (الجامعات) لدينا مهتمة كثيرًا بمفاهيم ومشاريع التطوير والجودة، غير أن مستوى المتخرجين من الجامعات يبقى الصورة الكاشفة التي تجسد ما يدور بداخلها، وهو أمر يستحق الطرح بشكل جريء ومستمر، ويستحق أن نعمل على دراسة أسبابه ونتائجه، وهي فرصة جيدة الآن – ووزارة التعليم تعمل على إعادة الهيكلة والتنظيم – أن تكون مشكلة ضعف مخرجات الجامعات ذات أولوية، وهي مشكلة تتصل بضعف الطلاب أنفسهم في التعليم العام، وضعف أعضاء هيئة التدريس، وإشكاليات معايير القبول والتوسع فيه، وهي كلها موضوعات هامة وجوهرية.
ضعف مخرجات الجامعات.. وأولويات الوزارة
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
