خلال مؤتمر في الأكاديمية الروسية للعلوم في موسكو الأسبوع الماضي وسط كوكبة من العلماء من جميع أنحاء العالم والمسؤولين في الحكومة الروسية، سعى الجميع للإجابة عن سؤال واحد: لماذا دمرت واشنطن خلال العام الماضي العلاقات الودية بين أمريكا وروسيا؟.
ووفقا لتقرير في موقع وورلد كينج نيوز الإخباري، فإن تدمير الثقة بين اثنين من القوى النووية الكبرى التي نسجت على مهل منذ عهد الرئيسين السابقين الأمريكي رونالد ريجان والروسي ميخائيل جورباتشوف، والدعاية في الإعلام الغربي المناوئة للرئيس فلاديمير بوتين رغم احتشاد الروس خلفه يضع العديد من علامات الاستفهام.
يقول البحث الأمريكي بول كريج روبرتس، أجبت في مداخلتي عن سؤال المؤتمر: إن الصعوبات الراهنة في النظام الدولي والتي تتزامن مع الذكرى السبعين لمعاهدة يالطا 1945 لا علاقة لها بهذه المعاهدة أو بنودها ولكن منبعها هو: صعود فكر المحافظين الجدد في فترة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق وتأثيره على السياسة الخارجية الأمريكية.
إن انهيار الاتحاد السوفيتي إزالة القيد الوحيد على السلطة في واشنطن والتصرف من جانب واحد وبصورة منفردة في الخارج.
لا سيما وأن ارتفاع قدرات دولة مثل الصين كدولة عظمى تتطلب أكثر من نصف قرن على الأقل.
لذا وجدت الولايات المتحدة نفسها فجأة قوة عظمى وحيدة في العالم، ومن ثم أعلن المحافظون الجدد: «نهاية التاريخ».
«نهاية التاريخ» عند المحافظين الجدد تعني أن المنافسة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بين القوى في العالم انتهت إلى انتصار الرأسمالية والديمقراطية الأمريكية، وأنه حانت اللحظة التاريخية لممارسة واشنطن مسؤوليتها في الهيمنة على العالم وصياغته وفقا لسياستها وتوجهاتها ومصالحها.
وبعبارة أخرى، لقد ثبت خطأ المفكر كارل ماركس، فالمستقبل ليس لصالح البروليتاريا وإنما تصنعه واشنطن وحدها.
ايديولوجيا المحافظين الجدد تضع الولايات المتحدة في مكانة فريدة كبلد استثنائي، والشعب الأمريكي في مكانة رفيعة باعتباره «الشعب الضروري» للبشرية ككل.
يقول روبرتس «إذا كانت أمريكا هي «بلد استثنائي فإن هذا يعني أن جميع الدول الأخرى غير استثنائية «.
وإذا كان الشعب الأمريكي «لا غنى عنه « فإن الشعوب الأخرى يمكن الاستغناء عنها.
لقد عايشنا هذا الموقف في واشنطن على مدى 14 عاما (2001 – 2015) من الحروب العدوانية في الشرق الأوسط.
هذه الحروب المدمرة التي شردت وقتلت وشوهت الملايين من البشر لا يتحدث عنها أحد، لأنه لا يمكن أن توسم أعظم دولة استثنائية في العالم بالعدوان، فهي التي تصيغ التاريخ منذ الآن فصاعدا وتحقق أغراضه الجديدة ولو بالإبادة والقتل والعدوان.
الشيء نفسه نشاهده بأم أعيننا اليوم في ازدراء واشنطن لروسيا ومصالحها القومية، والتصرف بمفردها لإملاء ما تريد كقوة عظمى منفردة.
عقيدة المحافظين الجدد حول سيادة الولايات المتحدة للعالم صرح بها وبوضوح نائب وزير الدفاع الأمريكي السابق بول وولفويتز عام 1992، يقول: «هدفنا الأول هو منع عودة ظهور منافس جديد، إما على أراضي الاتحاد السوفيتي السابق أو أي مكان آخر، ويجب أن يكمن هذا الاعتبار السائد وراء استراتيجية دفاعية إقليمية جديدة لمنع أي قوة معادية من السيطرة على المنطقة، كما يجب ألا تكون الموارد (الطاقة التي تحت سيطرتهم كافية لشن العدوان بشكل عام».
أما «القوى المعادية» التي روجها المحافظون الجدد آنذاك فهي: (روسيا والصين وإيران، وسابقا صدام حسين، والقذافي، الأسد).
وقع الجميع هذا البيان الجريء في مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية وكان بمثابة إعلان الإمبريالية الأمريكية الجديدة.
كما أعيدت كتابة هذه الوثيقة من أجل تخفيف وإخفاء البنود الصارخة، دون تغيير القصد.
وهذه الوثائق متاحة على شبكة الانترنت، ويمكنك دراستها بسهولة.
وهناك عدد من الأمريكيين يظنون أن المحافظين الجدد يتحملون المسؤولية عن الحادي عشر من سبتمبر 2001 من أجل إطلاق حروبهم والهيمنة على الشرق الأوسط.
وفي النهاية فإن عقيدة المحافظين الجدد وراء «التمحور إلى آسيا» لتطويق الصين من الجو والبحر وإنشاء قواعد بحرية جديدة، ومنع قيادة فلاديمير بوتين من الوصول إلى الكفاءة الاقتصادية والعسكرية لتصبح السياسة الخارجية الروسية مستقلة.