أتى شعار معرض الرياض الدولي للكتاب هذا العام 2015 تحت عنوان «الكتاب.. تعايش». وكما أوضح وزير الثقافة والإعلام عادل بن زيد الطريفي عند افتتاحه للمعرض المنعقد لمدة عشرة أيام، أنّ اختيار الشعار صادف هذه المرحلة التي يسود فيها العنف والإرهاب.
أما الميزة الجديرة بالتوقف عندها هي أنّ هذا المعرض في نسخته التاسعة، يُعتبر الأول في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز. وغنيٌّ عن الذكر أنّ الملك رجل ثقافة من الطراز الأول، وراعٍ حقيقي للصحافة والإعلام، أكرم منسوبيها بتقديره قبل نصحه. كما لا يُخطئه التصنيف كمؤرخ وعاشق للتاريخ.
مسؤولية هذا المعرض وهو تحت رعايته الكريمة أن يملأ الكون ضوءاً لمواجهة الظلام. ولأنّ تغذية التيارات المتعصبة والمتطرفة بدأت بحجر الفكر حتى تحولت إلى تنظيمات دولية عابرة للقارات، فكان لا بد من سطوع ضوء ينير الفكر ويبدّد الظلام. ومفهوم التعايش في حد ذاته هو بساط أولي لاحتمال الآخر فكرياً ومعنوياً وحسيّاً، وإن تحقق التعايش فلن تنحو العقول المتشددة نحو إزاحة الآخر ونسفه، لأنّه بإتاحة التعايش يكون ضمان التفاكر والتسامح.
إنّ تعقيد إشكالية التعايش يكمن في مدى إدراك الهوية الفكرية للآخر وتقبله، وما كان من المفترض تباين هذا الإدراك وتوزعه بين التكوينات الثقافية أو الاجتماعية أو السياسية المختلفة، بل كان من المفترض أن يكون مشجعاً على التعايش في ظل التنوع. أما الأهم من هذا الإدراك فهو في مدى مقدرة هذه المجموعات على التعايش السلمي الذي يبرز كأحد مكونات المجتمعات، ومدى احترامها لبعضها بعضا ومقياساً دقيقاً لعافيتها. هذه المجموعة أو تلك لديها من الحقوق والواجبات مثلما لغيرها، فضرورة الاعتراف بهذه الحقيقة هو جزء من مفاهيم النُظم الرشيدة الذي يجب أن تزرعه في نفوس أفراد المجتمع.
ومع اقتران التفاصيل الثقافية التاريخية بالسياسة، فما من مسألة تتعلق بقضايا التعايش والوعي الاجتماعي بالمكون الذاتي والمكوّن المختلف إلا وارتبطت بشكل مباشر بالسياسة. فهذه القضية التي تعتبر من أكثر القضايا ارتباطاً بالمكونات الاجتماعية والثقافية، قد تم إقصاؤها من مكونها الثقافي إلى عالم السياسة لتصبح مفردة سياسية بامتياز، لم يفلح الأنثروبولجيون في سعيهم الدؤوب في ردّها إلى حظيرتها الرئيسة.
هذا الهمّ هو ما استرعى الانتباه بضرورة تأثير معرض الكتاب ورسالته، ورغم خصوصية الحدث إلّا أنّ الرسالة المهمومة التي أطلقها وزير الثقافة والإعلام، تجعل منها رسالة إنسانية تتجاوز حدود مكان إقامة المعرض ومحيطه الإقليمي إلى العالم أجمع. فبإشاعة مفهوم التعايش وفي تقاربه دون تماهٍ وارتباطه بتعدد الرؤى والأشكال والأنماط التعبيرية، يمكنه تحقيق هدفه أثناء سعيه لإثراء المعرفة وتعدد روافدها.
لننظر فقط في مشاركة 915 دار نشر من 29 دولة عربية وأجنبية في هذا المعرض هذا العام، ثم اللقاءات والأمسيات الثقافية على هامش المعرض، التي تنظمها وزارة الثقافة والإعلام، وما يمكن أن تفعله هذه الوسائل السلمية والسفارات المعرفية في إشاعة مبدأ التعايش.
وفي معارض الكتاب عموماً يظهر جلياً نوع ارتباط واكتساب المعرفة بالعمر عند الناشئة حيث تتنوع وتتقافز في ذلك السلم صعوداً درجات التحصيل المعرفي حتى يصل إلى مرحلة النضج ويصبح الاكتساب متوازناً، غير أنّه لا يخفت الإشعاع الذي يصاحب الباحث أبد العمر. وحتى يصل الباحث عن المعرفة إلى برّ الأمان يضيع كثيراً بين التقيد والحرية. بين الإملاء من الآخرين بفرض الكتب التي يجب الاطلاع عليها وبين رغبته في قراءة كتب معينة. وبين هذا وذاك تنبع ضرورة النشر المؤسس على تعديل المسارات الأيديولوجية والفكرية المفضية إلى واقع التطرف والعنف والإرهاب.
من هذه الجزئية يمكن المسارعة إلى معالجة الفجوة بين الأجيال بإشعال جذوة الزمان من خلال حركات الزمن الثلاث الماضي والحاضر والمستقبل. ويمكن تحقيق ذلك لشباب مبدعين يحتاجون إلى فرصة حتى لا ينشرخ مستوى إبداعهم ويهربوا بعيداً إلى تنظيمات تحتضنهم وتخرج أسوأ ما فيهم، من تعصب وتشدد وحقد على المجتمع وعلى الإنسانية.
حقّاً "الكتاب.. تعايش"
منى عبدالفتاح3 دقائق للقراءة

حجم الخط
