الأندية الأدبية من أهم روافد الأدب والثقافة والمعرفة المجتمعية والتي يقع على عاتقها تقديم الأدب والثقافة في أوعية الجذب والاستثمار الحقيقي للإنسان واستغلال مواهبه وإبداعاته وإظهارها للمجتمع. وحين تم إنشاء الأندية الأدبية قبل أكثر من أربعين عاما في بلادنا الغالية، اعتمدت لها لائحة تنظيمية مالية وثقافية، وأخرى انتخابية شُكلت بناء على دراسات متعمقة من كوادر ذات باع طويل في مؤسسات العمل الثقافي والإعلامي.
وقد كانت الانتخابات تهدف إلى اتباع الأسلوب الديمقراطي في ترشيح الشخصيات الثقافية والأدبية الفاعلة والمؤثرة في المشهد الثقافي من أعضاء جمعيته العمومية. وفي المرحلة الأخيرة التي بدأت عام 1433هـ شهدت الجمعية العمومية لانتخابات أعضاء مجلس إدارة نادي مكة الثقافي الأدبي حضورا مكثفا للمشاركة في الانتخابات، ولكن وللأسف لم تلبث أن تقلصت الأعداد ولم تجدد العضوية خلال السنوات الماضية حتى وصلت هذا العام 1436هـ إلى الربع من العدد الأساسي.
كما أن مشكلة تقلص حضور أعضاء الجمعية العمومية للتصديق على التقارير، كثيرا ما تثير الاستغراب!!.. وإنني أرى أن انكماش الأعضاء وتقوقعهم على ذواتهم لهو مؤشر على عدم الاكتراث واللامبالاة بمجريات الحراك الثقافي.. ففي الوقت الذي هم فيه مطالبون بالمبادرة بتقديم أفكار ورؤى تطويرية لناديهم ولو بصفحة واحدة من ورقة عمل تقترح لأنشطة أو فعاليات وإرسال صورة منها لوزير الثقافة والإعلام للعلم بمدى تحقق هذا المنجز الحضاري المقترح.. نراهم يتقوقعون على ذواتهم متهمين النادي بالتهميش لهم ولدورهم بل يتهمونه (بالشللية).. وهنا أتساءل من سمح بهذه الشللية؟؟ أليس الذي قاطع النادي وابتعد؟ لماذا لا ندخل في كل نشاط وفي كل فعالية؛ نحاور.. نناقش.. نسأل.. نثري الرؤى والأفكار.. فهذه عوامل تضعف قوى الشللية - إن وجدت - فالإنسان هو الذي يفرض نفسه بفكره وثقافته ومنتجه الثقافي وتواصله واحترامه للآخرين، حتى ولو لم يكن أكاديميا بشهادات عليا.. فالأندية الأدبية لكافة أبناء المجتمع خاصة ذي المنهج الثقافي، حتى ولو كان فلاحا أو إنسانا بسيطا..
ثم إذا كانت هناك إشكاليات متنوعة لماذا لا يتقدم من لديه أي اعتراض بخطاب لرئيس النادي يطلب استيضاحا للأمور.. من دون إثارة البلبلة في الوسط الثقافي، والتشكيك في النوايا وفي المنجز الحضاري الذي قدمه النادي. وليس أدل على التقوقع مما طرحه نادي مكة الثقافي الأدبي في جمعيته العمومية الأخيرة من استمارة لطلب مقترحات أعضاء الجمعية العمومية حول الفعاليات والأنشطة المرغوب تنفيذها في الفترة المقبلة.. ولكن وللأسف - وعلى حد علمي - حتى الآن لم تصل أي استمارة مكتوبة تقترح أي نشاط أو فعالية أو شخصية.. مما يدل على أن اتهامات التهميش ليست سوى تبريرات للتقوقع لا أكثر ولا أقل..
إن ما حققه نادي مكة الثقافي الأدبي خلال الفترة الحالية لهو جدير بالثقة. فجائزة نادي مكة للإبداع المسرحي تأتي إيمانا من النادي بأهمية توسيع مناشطه في مجال بدأت تتفتق إبداعات الشباب فيه ليكون منجزا حضاريا في التوعية والإرشاد والتوجيه لمشكلات المجتمع. كما أن تنفيذ برنامج ( ثقافة الحي) والذي استقطب النادي من خلاله الكثير من المواهب الإبداعية الشابة في الشعر والإلقاء وفن الخطابة والتمثيل المسرحي.. حيث استطاعت الثقافة التغلغل في أواسط الأحياء المكية كاشفة عن الإبداع والمبدعين. كما استطاع النادي الاستفادة من دعم الوزارة ودعم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز - حفظه الله - في تشييد المبنى الحضاري الخاص بالنادي وهو الآن في مراحله الأخيرة.
وهناك نقطة أخرى جديرة بالدراسة وهي مقاطعة الفعل الثقافي برمته، فمع أن الدعوات ترسل لكافة أعضاء الجمعية العمومية، ومع النشر في كافة وسائل الإعلام، ولكن نجد أن الحضور لا يتناسب مع الفعالية والجهود التي بُذلت لإقامتها.. وأقترح أن تقوم كليات الإعلام بالجامعات السعودية بعمل دراسات بحثية عن أسبابها وإيجاد الحلول المناسبة لها.
كما أنه إذا كانت هناك انسحابات من المجلس فإن ثلثي الأعضاء يمثلون النصاب الأساسي في القرارات، واستطاع النادي إكمال المسيرة بهم.. طبعا هذا لا يعفي المسؤولين في الوزارة من دراسة أسباب الانسحابات في النوادي الأدبية، ووضع الحلول العاجلة والجذرية في لائحتهم الجديدة المنتظرة في الدورة الانتخابية القادمة.. وإذا كان نادي مكة الثقافي الأدبي قد استثمر العشرين مليونا لإقامة البنى التحتية للثقافة والأدب في مكة.. فكيف استثمرت في الأندية الأدبية الأخرى؟.
الأندية الأدبية.. المنجز والإشكاليات
فاتن محمد حسين4 دقائق للقراءة

حجم الخط
