قبل عام من الآن، أبدى أحد المحتسبين اعتراضا عالي النبرة على وجود كتب محمود درويش في جناح دار الريس في معرض الكتاب، قررت إدارة المعرض سحبها في اليوم ذاته ولم تعد بعده حتى هذا اليوم، ثارت ثائرة المثقفين، تم تخصيص أكثر من وسم ، كان المجال مفتوحا لاتخاذ مواقف متباينة، ولإثارة الجدل حول الشاعر، ولكن أحدا لم يكن يملك الجرأة وربما الانتباه الكافي ليقول «أقدر كل جهودكم، وأتفهم رغبتكم في النقاش الدرامي، ولكن كتب درويش -ببساطة- لم تسحب من معرض الكتاب!».
قبل عام أيضا، وبعد ساعات قليلة من الموقف الدراماتيكي الذي رافق صراخ أحد المعترضين على مسؤول جناح رياض الريس تم سحب كتب درويش بالفعل، في حين كانت الكتب ذاتها تباع على بعد أمتار قليلة، غير أن أحدا لم يكن يعلم، أو ربما كان الجميع يعلم ولكنهم يرغبون في استمرار الأمر ، وهو ما حدث فعلا، فالكتب موجودة في مكانها نفسه في هذا العام أيضا، والزوار يحصلون عليها بشكل طبيعي، حيث يستطيع أحدهم أن يمارس اعتراضا شديد اللهجة في حسابه على منع كتب درويش، ثم يتجه بعدها للمعرض ويحصل على نسخة أنيقة من الأعمال الكاملة له.
وفي وقت كان فيه رد الفعل الأشد انفعالا في انتقاد منع كتب درويش صادرا عن اتحاد الكتاب الأردنيين الذي أصدر بيانا شهيرا حينها عنوانه (قامة درويش أعلى من عواصم النفط الرجعية) كانت المفارقة الأبرز هي أن الدار التي تعرض الكتب علنا حتى هذه اللحظة، هي دار نشر أردنية!وعلى أية حال، فالأمر ليس مرتبطا بدولة أو أخرى، كما أنه ليس مفاجأة لشخص يفكر بمنطقية، لأن فكرة أن إصدارات أديب بحجم درويش محتكرة على دار نشر واحدة تبدو فكرة غير موضوعية، حيث تقوم عدة دور عربية بإعادة طباعة أعماله، فضلا عن أن اعتبار دار رياض الريس على أنها المصدر الوحيد لنتاج الأديب الراحل، يبدو تفكيرا من الغرابة بمكان.
قد يعيدنا الأمر لديوان درويش (لماذا تركت الحصان وحيدا) وقد نتخيل (حصان طروادة) الذي دخل إلى وسط القلعة بمنتهى الطمأنينة، ولكننا في كل الأحوال نريد أن نقول للجميع إن بإمكانهم الحديث مطولا عن سحب كتب درويش من معرض الكتاب، بقدر ما نريد أن نخبرهم أن هذا غير صحيح!