بقيت القضية الفلسطينية خلال ستة عقود هي القضية المركزية للأمة الإسلامية والعربية، وخاض العرب من أجلها ثلاث حروب كبرى، وقدموا من أجلها الكثير، ومع ذلك بقيت النتائج في هذا الصراع تميل لصالح المحتلين المجرمين، وظلت إسرائيل تتمدد وتتوسع في الاستيطان وفرض الأمر الواقع، ورضخت المقاومة الوطنية الفلسطينية، ممثلة في منظمة التحرير للعدو، وتخلت عن مشروعها المقاوم لتتحول إلى مجرد أجير ووكيل محلي خاضع للمحتل، يعمل تحت هيمنته وإدارته فيسمح له ببعض الحركة إذا رضي، ويغلق عليه أسبابها إذا غضب، لا يملك حولا ولا طولا.
وفرض هذا العدو على العالم أن يعتبر هذه المنظمة ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني حتى تتم له السيطرة من كل جوانبها، ولم يتغير شيء في الواقع المر الذي آلت إليه القضية إلا حين اندلعت الانتفاضة الأولى ثم الثانية لتسري بعدها روح جديدة مختلفة في دماء الفلسطينيين، تتلاشى معها بقايا أوهام المفاوضات الفارغة وتنكشف معها أكاذيب المحتل وأعوانه، وتتضح بها الرؤية ويتحدد من خلالها الموقف، وهي الروح ذاتها التي حولت المقاومة إلى مشروع قائم على الأرض، له رجاله المستعدون للتضحية بكل شيء، وحين أخذ ذلك في التشكل والبروز إلى الواقع شيئا فشيئا تغير مزاج أحرار فلسطين وشرفائها، من البحث عن الحلول خلف الطاولات وفي الفنادق والغرف المغلقة، إلى فرض الحلول عبر البنادق والخنادق والقوة والفداء، وهي اللغة الوحيدة التي تبين أن العدو يفهمها ويحسب لها حسابا.
وتبعا لذلك خرج العدو صاغرا من غزة وحاول إخضاعها وكسر إرادتها عن بعد عبر أكثر من حرب استخدم فيها كل ما يملك من قوة فلم يفلح بل كانت المقاومة تخرج في كل مرة أصلب عودا وأقوى شكيمة، ويخرج العدو أضعف حالا وأكثر اضطرابا.
واكتشفت الشعوب المسلمة مع الوقت أن بإمكانها، بعون الله تعالى، وبإرادتها الحرة المستقلة أن تصنع النصر وأنه لا بديل عن هذا الطريق ولا محيد عنه، وغدت منظمات المقاومة وفي مقدمتها حركة حماس إيقونة لهذه المعاني كلها، ومثلت الأمل الوحيد والمخرج الوحيد في نظر الشعوب، وهو ما لم تفهمه ولا تريد فهمه أكثر الأنظمة العربية التي ضاعت لديها البوصلة أو فقدت قدرتها على الاستقلال في القرار، وأصبح الموقف الشعبي وعاطفته يدعمان المقاومة المسلحة التي تتكئ وتنطلق من الإسلام روحا وواقعا، في حين بقي الموقف الرسمي بعيدا عن ذلك ومتمسكا بفريق بائس يعيش بالقضية وليس للقضية، والسنن الإلهية تقول إن الحقوق لا يمكن أن تنتزع إلا بالقوة المستندة للحق، ولن يغفر التأريخ لأولئك الذين جاهدوا لمغالبة هذه السنن، وسعوا لإيذاء المجاهدين ومحاربتهم، والعاقل فضلا عن الصادق من هذه القوى المحيطة بفلسطين هو من يعلنها الآن، وليس غدا، صريحة قولا وفعلا بأنه يقف في صف الجهاد والمجاهدين، إلى أن يتحقق النصر بإذن الله.