كثيرا ما توقفت باهتمام بالغ عند خبر إعلان عمدة نيويورك، بيل دي بلاسيو، منح المدينة عطلات «رسمية» لطلابها المسلمين في عيدي الفطر والأضحى أسوة بالطلاب المسيحيين واليهود في إطار الإنصاف والمساواة، هذا المطلب الذي ظلت المنظمات الإسلامية في المدينة تطالب به منذ سنوات.
ولعل المشهد اللافت بالنسبة لي هو عندما أعلن عمدة نيويورك هذا القرار كان محاطا بالعشرات من النشطاء المسلمين، وهم الذين صفقوا له وهو يتحدث عن ضرورة إدماج المسلمين في المجتمع النيويوركي، خاصة مع زيادة تعداد الأقلية المسلمة في مدينة نيويورك التي تعتبر المدينة الأولى اقتصاديا في الولايات المتحدة، وبمثابة العاصمة الاقتصادية لأمريكا.
وهنا أستذكر عندما كنت موفدا لقناة MBC هناك، حضرت مؤتمرا صحفيا عقده عمدة نيويورك السابق مايكل بلومبرغ عام 2009 والذي كان من ضمن أجندته البت في مطالب الأقلية المسلمة المتكررة بإقرار عطلة رسمية إلى التقويم المدرسي الذي يتيح لأبنائها الاحتفال بأعيادهم، لكن مايكل بلومبرغ صفع عائلات الطلاب المسلمين بقوله «إن الأطفال في حاجة لمزيد من الوقت في المدارس وليس لمزيد من العطلات الدراسية»، وهنا تعود بي الذاكرة للمشهد عندما احتشد المسلمون بلافتاتهم السلمية أمام مايكل بلومبرغ، وفي الطرف الآخر منظمة «حركة حزب الشاي» المعروفة بمناهضتها للإسلام ووقف «الأسلمة» والتي دائما ما تسعى لتعطيل أي مشروع لصالح المسلمين هناك، وقد يكون ما زاد من غيظ العائلات المسلمة في تلك اللحظة هو تصفيق وتهليل منظمة «حركة حزب الشاي» ومن يناصرها لبلومبرغ أمام الجالية المسلمة.
ولن أنسى تلك الدموع التي ذرفت من بعض الأمهات والأطفال المسلمين بعد انقضاء المؤتمر في مشهد مؤثر دعت بعض الحاضرين من المسيحيين واليهود المتعاطفين مع قضايا المسلمين إلى مواساتهم والاستمرار في دعمهم للحصول على هذا الاستحقاق.
منذ تلك اللحظة لم يتوقف العمل الدؤوب عبر المؤسسات المدنية والقنوات المتاحة للمسلمين هناك عن مواصلة مطالبهم، وشحذ تعاطف المنظمات المسيحية واليهودية المعتدلة لمناصرتهم، من أجل تحقيق مطالبها بمسيرات طافت أجزاء مدينة نيويورك الخمسة، والتي رفع فيها المسلمون لافتات تطالب بالإنصاف والمساواة والإدماج، من خلال منح أبنائهم إجازات دراسية في أعياد المسلمين، وها هي اليوم تنتصر وتحصل على هذا الاستحقاق المهم.
فمنذ الحادي عشر من سبتمبر ظل الأميركيون المسلمون يخوضون معركة شديدة الصعوبة ذات جبهات عديدة، يناضلون بالعمل المؤسسي المنظم بعيدا عن التطرف والعنف، وهو ما أوصلهم إلى اكتساب كثير من حقوقهم المدنية رغم كل العقبات والتحريض عليهم، وهنا أجزم بأن المسلمين المعتدلين القاطنين في المهجر، هم من يمثلون الإسلام الحقيقي المعتدل المبني على التسامح والتعايش مع الآخر، على نقيض حال غالبية المسلمين في الداخل الذين تبنوا الكراهية والإقصاء والخصومة وإنماء الطائفية، رغم أنهم أبناء دين واحد ولغة واحدة، وهنا بالتأكيد أقصد «المسلمين العرب» المشوهين الحقيقيين لمفهوم الإسلام الصحيح المعتدل.
هنيئا لمسلمي نيويورك انتزاعهم إجازات رسمية لأعيادهم، وشكرا لنظام الديموقراطية الصحيح الذي ينتصر في نهاية المطاف لحقوق الأقليات حتى ولو بعد حين.
المسلمون النيويوركيون!
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
